الصفحة 561 من 811

تَقدَّمَ أنَّ أفعَلَ التفضيلِ إذا كان مُجَرَّدًا جِيءَ بعدَه"بِمِن"جارَّةٍ للمُفَضَّلِ عليه، نحوُ:"زيدٌ أفضَلُ مِن عمرٍو"و"مِن"ومَجرورُها معَه بِمَنْزِلَةِ المضافِ إليه مِن المضافِ، فلا يَجوزُ تَقديمُهما عليه، كما لا يَجوزُ تَقديمُ المضافِ إليه على المضافِ، إلاَّ إذا كانَ المجرورُ بها اسمَ استفهامٍ، أو مُضافًا إلى اسمِ استفهامِ، فإنَّه يَجِبُ حِينَئِذٍ تَقديمُ"مِن"ومَجرورِها، نحوُ:"مِمَّن أنتَ خَيْرٌ؟ وِمن أيِّهِم أنتَ أفْضَلُ؟ ومِن غُلامِ أيِّهم أنتَ أفضَلُ؟"، وقد وَرَدَ التقديمُ شُذوذًا في غيرِ الاستفهامِ، وإليه أَشارَ بقولِه: (ولَدَى إخبارِ التقديمِ نَزْرًا وَرَدَا) ، ومِن ذلك قولُه:

282 -فَقَالَتْ لنا: أَهْلًا وسَهْلًا وزَوَّدَتْ جَنَى النحْلِ بل ما زَوَّدَتْ منه أَطْيَبُ [1]

والتقديرُ: بل ما زَوَّدَتْ أَطْيَبُ مِنه. وقَولُ ذي الرُّمَّةِ يَصِفُ نِسْوَةً بالسِّمَنِ والكَسَلِ:

283 -ولا عَيْبَ فيها غيرَ أنَّ سَرِيعَها قَطُوفٌ وأنْ لا شَيءَ مِنْهُنَّ أكْسَلُ [2]

(1) 282 - البيتُ للفَرَزْدَقِ، مِن أبياتٍ يَقولُها في امرَأَةٍ مِن بنى بني ذُهْلِ بنِ ثَعْلَبَةَ قَرَتْهُ وحَمَلَتْه وزَوَّدَتْه، وكانَ قد نَزَلَ مِن قبْلُ بامرأةٍ ضَبِّيَّةٍ فلَمْ تَقْرِه ولم تَحْمِلْه ولم تُزَوِّدْهُ.

اللغةُ: (أَهْلًا وسَهْلًا) كلِمَتانِ تَقولُهما العرَبُ في تَحِيَّةِ الأضيافِ والْحَفَاوَةِ بهم، (جَنَى النحْلِ) ما يُجْنَى منه، وهو العسَلُ، وكَنَّى بذلك عن حُسْنِ لِقائِها وطِيبِ استقبالِها وحَلاوَةِ حَدِيثِها.

الإعرابُ: (فقالَتْ) قالَ: فعْلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه: هىهي، (لنا) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بقالَ، (أهلًا وسَهْلًا) مَنصوبانِ بفعْلٍ محذوفٍ، والأصْلُ الاصيل الأصيلُ فيهما انهما أنهما وَصفانِ لِمَوْصُوفَيْنِ مَحذوفينِ؛ أيْ: أتَيْتُمْ قَوْمًا اهلا أَهْلًا، ونَزَلْتُمْ مَوْضِعًا سَهْلًا، (وَزَوَّدَت) الواوُ عاطِفَةٌ، زَوَّدَ: فعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه، والتاءُ للتأنيثِ، (جَنَى) مَفعولٌ به لِزَوَّدَ، وجَنَى مُضَافٌ و (النحْلِ) مُضافٌ إليه، (بل) حرْفٌ دالٌّ على الإضرابِ الإبطالى الإبطالِيِّ، (ما) اسمٌ موصولٌ: مبتَدأٌ، وجُملةُ (زَوَّدَتْ) وفاعلِه المستَتِرِ فيه لا مَحَلَّ لها صِلَةٌ، والعائدُ محذوفٌ؛ أيْ: زَوَّدَتْهُ، (منه) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بقولِه: (أَطْيَبُ) الآتي، (أَطْيَبُ) خَبَرُ المبتدأِ.

الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(مِنه أَطْيَبُ) ؛ حيثُ قَدَّمَ الجارَّ والمجرورَ الْمُتعَلِّقَيْنِ بأفعَلِ التفضيلِ عليه، وليس المجرورُ اسمَ استفهامٍ ولا مُضافًا إلى اسمِ استفهامٍ، وذلك التقديمُ شاذٌّ في غيرِ الاستفهامِ، وقد جَعَلَ جماعةٌ مِن النُّحاةِ قوله (قولَه:(منه) متَعَلِّقًا بقوله (قولِه:(زَوَّدَتْ) ؛ أيْ: بل الذي زَوَّدَتْ مِنه؛ أيْ: مِن شَبيهِ جنى جَنَى النحْلِ، وعلى ذلك لا يكونُ في البيتِ شاهِدٌ، ويكونُ قد جاءَ على المشهورِ الفَصيحِ.

ومِثلُ بيتِ الشاهِدِ قولُ ابنِ دُرَيْدٍ في مَقصورتِه:

واستَنْزَلَ الزَّبَّاءَ قَسْرًا وَهىهْيَ مِن ... عُقَابِ لَوْحِ الْجَوِّ أَعْلَى مُنتَمَى

فقولُه: (مِن عُقابِ) متَعَلِّقٌ بأَعْلَى، وقد تَقَدَّمَ عليه، وليسَ الكلامُ استِفْهَامًا، بل هو خَبَرٌ كما يَظْهَرُ بأَدْنَى تَأَمُّلٍ.

(2) 283 - هذا البيتُ لذىذي الرُّمَّةِ، مِن كَلِمَةٍ له مَطْلَعُها:

ألِلرَّبْعِ ظَلَّتْ عينُكَ الماءَ تَهْمِلُ ... رَشاشًا كما استَنَّ الْجُمَانُ الْمُفَصَّلُ؟

اللغةُ: (تَهْمِلُ) تَسْكُبُ، (اسْتَنَّ) تَبَدَّدَ وتَفَرَّقَ، (الْجُمَانُ) جمْعُ جُمَانَةٍ - بضَمِّ الْجِيمِ - وهىهي حَبَّةٌ مِن الفِضَّةِ كالدُّرَّةِ، (قَطُوفٌ) بفَتْحِ القافِ: بَطِيءٌ، متَقَارِبُ الْخَطْوِ.

المعنى: يَصِفُ نِساءً بالسِّمَنِ والعَبَالَةِ، وكَنَّى عن ذلك بأَنَّهُنَّ بَطيئاتُ السيْرِ كُسَالَى، فهو يَقولُ: إنَّه لا عَيْبَ في هؤلاءِ النساءِ إلاَّ أنَّ أسْرَعَهُنَّ شَديدةُ البُطْءِ مُتَكَاسِلَةٌ، وهذا مِمَّا يُسَمِّيهِ البُلغاءُ تَأكيدَ المدْحِ بما يُشْبِهُ الذمَّ، والعرَبُ تَمْدَحُ النساءَ بذلك؛ لأن هذا عندَهم يَدُلُّ على اليَسارِ والنعمةِ وعدَمِ الامتهانِ في العمَلِ.

الإعرابُ: (ولا) نافِيَةٌ للجِنْسِ، (عَيْبَ) اسمُ لا، [؟؟] (فيهِنَّ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبَرُ لا، أو متَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صِفَةٌ لعَيْبَ، أو مُتَعَلِّقٌ بعَيْبَ، وعلى هَذينِ الوَجهينِ يكونُ خَبَرُ لا محذوفًا، وهذا مُتَعَيِّنٌ على لُغَةِ طَيِّئٍ، (غيرَ) أداةُ استثناءٍ، (أنَّ) حرْفُ تَوكيدٍ ونَصْبٍ، (سَرِيعَها) سَريعَ: اسمُ أنَّ، وسريعَ مُضافٌ وها مضافٌ إليه، (قَطُوفٌ) خبَرُ أنَّ، وأنَّ معَ اسْمِها وخبَرِها في تأويلِ مَصدَرٍ مَجرورٍ بإضافةِ غيرَ إليه، (وأن) الواوُ عاطِفَةٌ، أنْ: مُخَفَّفَةٌ مِن الثَّقيلةِ واسْمُها ضَميرُ شأنٍ محذوفٌ، (لا شيءَ) لا: نافِيَةٌ للجِنْسِ، وشيءَ: اسمُ لا، (مِنْهُنَّ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بقوله (قولِه:(أكسَلُ) الآتي، (أَكْسَلُ) خبَرُ لا، والجملةُ مِن (لا) واسْمِها وخَبَرِها في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ (أنِ) الْمُخَفَّفَةِ مِن الثقيلةِ، وأنِ المخَفَّفَةُ معَ اسْمِها وخَبَرِها في تأويلِ مَصْدَرٍ مجرورٍ بالعطْفِ على المصدَرِ الْمُنْسَبِكِ مِن أنَّ المشَدَّدَةِ معَ اسمِها وخَبَرِها.

الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(مِنْهُنَّ أَكْسَلُ) ؛ حيثُ قدَّمَ الجارَّ والمجرورَ المتعَلِّقَ بأفعَلِ التفضيلِ عليه، معَ كَوْنِ المجرورِ ليسَ استفهامًا ولا مُضافًا إلى الاستفهامِ، وذلك شاذٌّ، وتَقَدَّمَ مِثْلُه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت