الصفحة 568 من 811

ونَعَتُوا بجملةٍ مُنَكَّرَا ... فأُعْطِيَتْ ما أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا [1]

تَقَعُ الْجُملةُ نَعْتًا كما تَقعُ خبَرًا وحالًا، وهي مُؤَوَّلَةٌ بالنَّكِرَةِ؛ ولذلك لا يُنعَتُ بها إلاَّ النَّكِرَةُ، نحوُ:"مَررتُ برجُلٍ قامَ أَبوهُ"، أو"أَبوهُ قائمٌ"، ولا تُنْعَتُ بها المعرِفَةُ، فلا تَقولُ:"مَررتُ بزِيدٍ قامَ أبوه، أو أَبوهُ قائمٌ"، وزعَمَ بعضُهم أنَّه يَجوزُ نعْتُ المعرَّفِ بالألِفِ واللامِ الْجِنْسِيَّةِ بالجملةِ، وجَعَلَ منه قولَه تعالَى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} ، وقولَ الشاعِرِ:

286 -ولَقَدْ أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُّنِي فمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلتُ لا يَعْنِينِي [2]

فـ"نَسْلَخُ"صِفَةٌ"للَّيلِ"، و"يَسُبُّنِي"صِفَةٌ"لِلَّئِيمِ"، ولا يَتعيَّنُ ذلك؛ لِجَوازِ كَوْنِ نَسْلَخُ و"يَسُبُّنِي"حالَيْنِ.

(1) و (نَعَتُوا) فعْلٌ وفاعلٌ، (بجُملةٍ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بنَعَتُوا، (منَكَّرَا) مَفعولٌ به لِنَعَتُوا، (فأُعْطِيَتْ) أُعْطِيَ: فعْلٌ ماضٍ مبنىمَبنيٌّ للمجهولِ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، ونائبُ الفاعلِ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه: هي، يَعودُ إلى جُملةٍ، وهو المفعولُ الأوَّلُ، (ما) اسمٌ موصولٌ: مَفعولٌ ثانٍ لأُعْطِيَتْ، (أُعْطِيَتْهُ) فعْلٌ ماضٍ مبنىمَبنيٌّ للمجهولِ، وفيه ضَميرٌ مُستَتِرٌ يعودُ إلى جُملةٍ، وهو نائبُ فاعِلِ أُعْطِيَ، وهو المفعولُ الأوَّلُ، والهاءُ مَفعولٌ ثانٍ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها مِن الإعرابِ صِلَةُ الْمَوصولِ، (خَبَرَا) حالٌ مِن نائبِ الفاعلِ.

(2) 286 - يُرْوَى هذا البيتُ أوَّلَ بَيْتَيْنِ، ويُنسبانِ لرجُلٍ سلولى سَلُولِيٍّ مِن غيرِ أنْ يُعَيِّنَ أحَدٌ اسْمَه، والثاني:

غَضبانُ مُمْتَلِئًا عَلَيَّ إِهَابُهُ ... إنى إنِّي وحَقِّكَ سُخْطُه يرضينىيُرْضِينِي

وقد رَواهُ الأصمعى الأَصْمَعِيُّ في الأَصْمَعِيَّاتِ ثالثَ اخَمسةِ أبياتٍ، ونَسَبَها لِشِمْرِ بنِ عُمَرَ الحنفىلْحَنَفِيِّ، وانظُر الأَصْمَعِيَّاتِ (ص 64 ليبسك عامَ 1902، وانْظُرِ الأَصمعِيَّةَ رَقْمَ 38 طبع مصر)

اللغةُ: (اللئيمِ) الشحيحِ، الدنئ الدَّنِيءِ النفْسِ، الخبيثِ الطِّبَاعِ، (إِهَابُهُ) الإهابُ - بزِنَةِ كِتابٍ - الْجِلْدُ، وامْتِلاَؤُه عليه كِنايةٌ عن شِدَّةِ غضَبِه وكَثيرِ مَوْجِدَتِه وحَنَقِه.

المعنى: يقولُ: واللهِ إنى إنِّي لأَمُرُّ على الرجُلِ الدنئ الدنيءِ النفْسِ الذي مِن عادَتِه أنْ يسبنى يَسُبَّنِي، فأَتْرُكُه وأَذْهَبُ عنه وأَرْضَى بقولى بقَوْلِي لنفسىلنفْسِي: إنَّه لا يقصدنى يَقْصِدُني بهذا السِّبَابِ.

الإعرابُ: (ولقد) الواوُ واوُ القَسَمِ، والمُقْسَمُ به محذوفٌ، واللامُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ، وقد: حرْفُ تَحقيقٍ، (أمُرُّ) فعْلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه: أنا، (على اللئيمِ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بأمُرُّ، (يسبنىيَسُبُّنِي) جُمْلَةٌ مِن فعْلٍ مضارِعٍ وفاعلِه ومفعولِه في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ اللفظ صفة لِلَّئِيمِ، وسَتَعْرِفُ ما فيه، (فمَضَيْتُ) فعْلٌ وفاعلٌ، (ثُمَّتَ) حرْفُ عطْفٍ، والتاءُ لتأنيثِ اللفْظِ، (قُلتُ) فعْلٌ ماضٍ وفاعلُه، (لا) نافِيَةٌ، (يعنينىيَعْنِينِي) فعْلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه: هو، يعودُ إلى اللئيمِ، والنونُ للوِقايَةِ، والياءُ مَفعولٌ به، والجملةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَقولُ القَوْلِ.

الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(اللئيمِ يسبنىيَسُبُّنِي) ؛ حيثُ وَقَعَتِ الجملةُ نَعْتًا للمعرِفَةِ، وهو الْمَقرونُ بألْ، وإنما ساغَ ذلك؛ لأنَّ ألْ فيه جِنْسِيَّةٌ، فهو قَريبٌ مِن النَّكِرَةِ، كذا قالَ جماعةٌ، مِنهم ابنُ هِشامٍ الأنصارىلأنصاريُّ، وقالَ الشارِحُ العَلاَّمَةُ: إنَّه يَجوزُ أنْ تكونَ الجملةُ حالِيَّةً. والذي نُرَجِّحُه هو ما ذَهَبَ إليه غيرُ الشارِحِ مِن تَعَيُّنِ كونِ الجملةِ نَعْتًا الجملة نعتا في هذا البيتِ؛ لأنه الذي يَلْتَئِمُ معَه المعنى المقصودُ، ألاَ تَرَى أنَّ الشاعرَ يُريدُ أنْ يُمْتَدَحَ بالوَقَارِ، وأنَّه شَديدُ الاحتمالِ للأَذىذَى، وهذا إنما يَتِمُّ له إذا جَعَلْنا اللئيمَ مَنعوتًا بجُملةِ (يسبنىيَسُبُّنِي) ؛ إذ يَصيرُ المعنى: أنَّه يَمُرُّ على اللئيمِ الذي شَأنُه سَبُّه ودَيْدَنُه النَّيْلُ منه، ولا يَتأتَّى هذا إذا جُعِلَتِ الجملةُ حالًا؛ إذ يكونُ المعنَى حِينَئذٍ أنَّه يَمُرُّ على اللئيمِ في حالِ سَبِّهِ إيَّاهُ؛ لأنَّ الحالَ قَيْدٌ في عامِلِها، فكأنَّ سَبَّهُ حاصِلٌ في وقتِ مُرُورِه فقطْ، نعَمْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أنه إنَّه لو تَحَمَّلَ ومَضَى في هذه الحالِ فهو في غيرِها أشَدُّ تَحَمُّلًا، ولكنَّ هذه دَلالةٌ الْتِزَامِيَّةٌ، والدَّلالةُ الأُولَى وَضْعيَّةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت