فهرس الكتاب
لا تَقَعُ الجملةُ الطَّلَبِيَّةُ صِفَةً، فلا تَقولُ:"مَرَرْتُ برجُلٍ اضْرِبْهُ"، وتَقَعُ خبَرًا، خِلاَفًا لابنِ الأنباريِّ، فتقولُ:"زيدٌ اضْرِبْهُ"، ولَمَّا كانَ قولُه: (فأُعْطِيَتْ ما أُعْطِيَتْهُ خَبَرًا) يُوهِمُ أنَّ كلَّ جُملَةٍ وَقَعَتْ خَبَرًا يَجُوزُ أنْ تَقَعَ صِفَةً، قالَ: (وامنَعْ هنا إيقاعَ ذاتِ الطلَبِ) ؛ أي: امنَعْ وُقوعَ الجملةِ الطلَبِيَّةِ في بابِ النعْتِ، وإنْ كانَ لا يَمْتَنِعُ في بابِ الخبَرِ، ثُمَّ قالَ: فإنْ جاءَ ما ظاهِرُه أنَّه نعْتٌ فيه بالجملةِ الطَّلَبِيَّةِ فيُخَرَّجُ على إضمارِ القولِ، ويكونُ القولُ المضمَرُ صِفَةً، والجملةُ الطلَبِيَّةُ معمولَ القولِ المضمَرِ؛ وذلك كقولِه:
288 -حتَّى إِذَا جَنَّ الظلامُ واختَلَطْ جَاؤُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذئْبَ قَطْ [1]
فظاهِرُ هذا أنَّ قولَه:"هل رَأَيْتَ الذئبَ قَطْ"صِفَةٌ لـ"مَذْقٍ"، وهي جُملةٌ طلَبِيَّةٌ، ولكنْ ليسَ هو على ظاهِرِه، بل"هل رأيتَ الذئبَ قَطْ"مَقولٌ لقوْلٍ مُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لـ"مَذْقٍ"، والتقديرُ: بِمَذْقٍ مَقولٍ فيه: هَلْ رأيتَ الذئبَ قَطْ. فإنْ قُلتَ: هل يَلزَمُ هذا التقديرُ في الجملةِ الطلَبِيَّةِ إذا وَقَعَتْ في بابِ الخبَرِ، فيكونَ تقديرُ قولِكَ: زيدٌ اضْرِبْهُ: زيدٌ مَقولٌ فيه: اضرِبْهُ؟
فالجوابُ: أنَّ فيه خِلافًا، فمَذهَبُ ابنِ السَّرَّاجِ والفارِسِيِّ الْتِزَامُ ذلك، ومَذْهَبُ الأكثرينَ عدَمُ التزامِه.
(1) 288 - البيتُ لراجِزٍ لم يُعَيِّنْهُ أحَدٌ مِن الرواةِ الذين وَقَفْنَا على كلامِهم.
اللغةُ: (جَنَّ الظلامُ) سَتَرَ كلَّ شَيْءٍ، والمرادُ أَقبَلَ، (اختلَط) كِنايةٌ عن انتشارِه واتِّساعِه، (مَذْق) هو اللَّبَنُ الْمَمزوجُ بالماءِ، شَبَّهَه بالذئْبِ؛ لاتِّفاقِ لَوْنِهما؛ لأنَّه فيه غُبْرَةً وكُدْرَةً.
المعنى: يَصِفُ الراجِزُ بالشُّحِّ والبُخْلِ قَومًا نَزَلَ بهم ضَيْفًا، فانتَظَروا عليه طَويلًا حتى أَقْبَلَ الليلُ بظَلاَمِه، ثم جاؤُوهُ بلَبَنٍ مَخلوطٍ بالماءِ يُشْبِهُ الذئبَ في لَوْنِه؛ لكُدْرَتِه وغُبْرَتِه، يُريدُ أنَّ الماءَ الذي خَلَطُلوه به كَثيرٌ.
الإعرابُ: (حتى) ابتدائيَّةٌ، (إذا) ظرْفٌ تَضَمَّنَ معنَى الشرْطِ، (جَنَّ) فعْلٌ ماضٍ، (الظلامُ) فاعِلُ جَنَّ، والجملةُ في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافَةِ إذا إليها، وجُملةُ (اختلَطَ) وفاعلِه المستَتِرِ فيه معطوفةٌ على الجملةِ السابِقَةِ بالواوِ، (جاؤُوا) فعْلٌ وفاعلٌ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها مِن الإعرابِ جوابُ إذا، (بِمَذْقٍ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بجاءَ، (هل) حرْفُ استفهامٍ، (رَأَيْتَ) فعْلٌ ماضٍ وفاعِلُه، (الذئبَ) مَفعولٌ به لرَأَيْتَ، (قَطْ) استعمَلَه بعْدَ الاستفهامِ، معَم أنَّ مَوْضِعَ استعمالِه بعْدَ النفى النفْيِ الداخِلِ على الماضِي، والذي سَهَّلَ هذا أنَّ الاستفهامَ مع أن موضع استعماله بعد النفى الداخل على الماضى، والذي سهل هذا أن الاستفهام قَرِينُ النفى النفْيِ برأىبرَأْيٍ، وسُكُونُه للوقْفِ، وجُملةُ (هل رَأَيْتَ الذئْبَ قطْ) في مَحَلِّ نصْبِ مَفعولٍ به لقولٍ محذوفٍ يقَعُ صِفَةً لِمَذْقٍ، والتقديرُ: بِمَذْقٍ مَقولٌ فيه: هل رأيتَ الذئبَ قطْ.
الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(بِمَذْقٍ هل رَأيتَ .... إلخْ) ؛ فإنَّ ظاهِرَ الأمْرِ أنَّ الجملةَ الْمُصَدَّرَةَ بحرْفِ الاستفهامِ قد وَقَعَتْ نَعْتًا للنَّكِرَةِ، وليسَ الأمْرُ على ما هو الظاهِرُ، بل النعْتُ قولٌ مَحذوفٌ، وهذه الْجُملةُ مَعمولةٌ له، على ما بَيَّنَّاهُ في الإعرابِ، والقولُ يُحْذَفُ كثيرًا ويَبْقَى مَعمولُه.
وهذا أحَدُ الفُروقِ بينَ النعْتِ والخبَرِ؛ فإنَّ الخبَرَ يجئ يَجيءُ جُملةً طلَبِيَّةً على الراجِحِ مِن مَذاهِبِ النحاةِ؛ إذ لم يُخالِفْ في هذا إلاَّ ابنُ الأنبارىلأَنْبَارِيِّ، والسرُّ في هذا أنَّ الخبَرَ حُكْمٌ، وأصلُه أنْ يكونَ مَجهولًا، فيَقْصِدَ المتكلِّمُ إلى إِفادَةِ السامِعِ إيَّاهُ بالكلامِ، أمَّا النعْتُ فالغرَضُ مِن الإتيانِ به إيضاحُ المنعوتِ وتَعيينُه أو تخصيصُه، فلا بُدَّ مِن أنْ يكونَ مَعلومًا للسامِعِ قَبْلَ الكلامِ؛ لِيَحْصُلَ الغرَضُ منه، والإنشائيَّةُ لا تُعْلَمُ قَبْلَ التَّكَلُّمِ بها.