الصفحة 574 من 811

التوكيدُ قِسمانِ: أحَدُهما التوكيدُ اللَّفْظِيُّ وسيأتي، والثاني التوكيدُ الْمَعنويُّ، وهو على ضَرْبَيْنِ:

أحدُهما: ما يَرْفَعُ تَوَهُّمَ مُضافٍ إلى المؤَكَّدِ، وهو المرادُ بهذينِ البَيتيْنِ، وله لَفظانِ: النفسُ والعينُ، وذلك نحوُ: جاءَ زيدٌ نفْسُه، فـ"نفْسُه"تَوكيدٌ لـ"زَيدٌ"، وهو يَرفَعُ تَوَهُّمَ أنْ يَكونَ [1] التقديرُ:"جاءَ خَبَرُ زيدٍ أو رَسولُه"، وكذلك جاءَ زيدٌ عَيْنُه.

ولا بُدَّ مِن إضافَةِ النفْسِ أو العَيْنِ إلى ضَميرٍ يُطابِقُ المؤَكَّدَ، نحوُ:"جاءَ زيدٌ نفْسُه أو عَيْنُه، وهِندٌ نفْسُها أو عَينُها".

ثُمَّ إنْ كانَ المُؤَكَّدُ بِهِما مُثَنًّى أو مَجموعًا جَمَعْتَهما على مِثالِ أَفْعُل، فتقولُ:"جاءَ الزيدانِ أنْفُسُهما أو أَعْيُنُهما، والْهِندانِ أنْفُسُهُما أو أعْيُنُهما، والزيدونَ أنْفُسُهم أو أَعْيُنُهم، والْهِنداتُ أنْفُسُهُنَّ أو أعْيُنُهُنَّ".

وكُلاًّ اذْكُرْ في الشمولِ وكِلاَ ... كِلْتَا جميعًا بالضميرِ مُوصَلاَ [2]

هذا هو الضَّرْبُ الثاني مِن التوكيدِ الْمَعنَوِيِّ، وهو ما يَرْفَعُ تَوَهُّمَ عَدَمِ إرادةِ الشُّمولِ، والْمُسْتَعْمَلُ لذلك"كلٌّ وكِلاَ وكِلْتَا وجَميعٌ"، فيُؤَكَّدُ بكُلٍّ وجَميعٍ ما كان ذا أَجزاءٍ، يَصِحُّ وُقوعُ بعضِها [3] مَوْقِعَه، نحوُ:"جاءَ الرَّكْبُ كُلُّه، أو جميعُه، والقَبيلةُ كلُّها أو جَميعُها، والرجالُ كلُّهم أو جميعُهم، والْهِنداتُ كلُّهُنَّ أو جَميعُهنَّ"، ولا تَقولُ:"جاءَ زيدٌ كلُّه"، ويُؤَكَّدُ بكِلاَ المثنَّى المذَكَّرُ، نحوُ:"جاءَ الزيدانِ كِلاَهُما"، وبكِلْتَا المثنَّى المؤنَّثُ، نحوُ:"جاءَتِ الْهِندانِ كِلتَاهُما"، ولا بُدَّ مِن إضافَتِها كلِّها إلى ضَميرٍ يُطابِقُ المؤكِّدَ كما مَثَّلَ.

(1) إذا قُلتَ: (جاءَ زيدٌ) فقَدْ تُريدُ الحقيقةَ، وأنَّ زَيدًا هو الآتِي، وقد تكونُ جَعَلْتَ الكلامَ على حذْفِ مُضافٍ، وأنَّ الأصْلَ جاءَ خبَرُ زيدٍ، أو جاءَ رَسولُ زيدٍ، وقد تكونُ قد أَطْلَقْتَ زَيدًا وأنتَ تُريدُ به رسولَه مِن بابِ المجازِ العقلىلعَقْلِيِّ، فإذا قلتَ: (جاءَ زيدٌ نفْسُه) فقَدْ تَعَيَّنَ المعنى الأوَّلُ، وارتفَعَ احتمالانِ:

أحدُهما: احتمالُ المجازِ بالمحذوفِ.

وثانيهما: احتمالُ الْمَجَازِ العَقْلِيِّ.

(2) (وكُلاًّ) مَفعولٌ تَقَدَّمَ على عاملِه، وهو قَولُه: اذْكُرِ الآتي، (اذْكُرْ) فعْلُ أمْرٍ، وفاعلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه: أنتَ، (في الشُّمولِ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ باذْكُرْ، (وكِلاَ وكِلْتَا جَميعًا) مَعطوفاتٌ على كُلٍّ بعاطِفٍ مقَدَّرٍ فيما عدَا الأوَّلَ، (بالضميرِ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بقولِه: (مُوصَلاَ) الآتي، (مُوصَلاَ) حالٌ مِن كلٍّ وما عُطِفَ عليه.

(3) الْمَدارُ في كونِه ذا أَجزاءٍ يَصِحُّ وُقوعُ بعضِها مَوْقِعَه على العامِلِ، فالمثالُ الذي ذَكَرَه الشارِحُ - وهو (جاءَ زيدٌ كلُّه) - لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الْمَجيءَ لا يَتَعَلَّقُ ببعضِ الإنسانِ، لكنْ لو قلتَ: (اشتَرَيْتُ العبْدَ كلَّه) ، أو قُلتَ: (اشتَرَيْتُ الجاريةَ كلَّها) كانَ صحيحًا؛ لأنَّ الشِّراءَ قد يتَعَلَّقُ بالبعْضِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت