الصفحة 575 من 811

واسْتَعْمَلُوا أَيضًا ككلٍّ فاعِلَهْ ... مِنْ عَمَّ في التوكيدِ مِثلَ النافِلَهْ [1]

أي: استعمَلَ العرَبُ للدَّلالةِ على الشمولِ ككُلٍّ"عامَّةً"مضافًا إلى ضَميرِ المؤَكَّدِ، نحوُ:"جاءَ القوْمُ عامَّتُهم"، وقَلَّ مَن عَدَّها مِن النَّحْوِيِّينَ في ألفاظِ التوكيدِ، وقد عَدَّها سِيبَوَيْهِ، وإنما قالَ: (مِثْل النافِلَةِ) ؛ لأنَّ عَدَّها مِن ألفاظِ التوكيدِ يُشْبِهُ النافِلَةَ؛ أي: الزيادةَ؛ لأنَّ أكثَرَ النَّحْوِيِّينَ لم يَذْكُرْها.

وبعدَ كلٍّ أَكَّدُوا بأَجْمَعَا ... جَمعاءَ أَجْمَعينَ ثُمَّ جُمَعَا [2]

أيْ: يُجاءُ بعْدَ"كُلٍّ"بأَجْمَعَ، وما بعْدَها لتَقْوِيَةِ قَصْدِ الشمولِ، فيُؤتَى بـ"أَجمعَ"بعْدَ"كُلِّه"، نحوُ:"جاءَ الرَّكْبُ كُلُّه أَجمَعُ"، وبـ"جَمعاءَ"بعْدَ"كُلِّها"، نحوُ: جاءَتِ القَبيلةُ كلُّها جَمعاءُ، وبـ"أَجمعينَ"بعْدَ"كلِّهم"، نحوُ:"جاءَ الرجالُ كلُّهم أَجمعونَ"، وبـ"جُمَعَ"بعْدَ"كُلِّهِنَّ"، نحوُ:"جاءَتِ الْهِنْداتُ كلُّهُنَّ جُمَعُ".

ودُونَ كلٍّ قد يَجيءُ أَجْمَعُ ... جَمعاءُ أَجْمَعُونَ ثُمَّ جُمَعُ [3]

أيْ: قد وَرَدَ استعمالُ العرَبِ"أَجمعَ"في التوكيدِ غيرَ مَسبوقةٍ بـ"كُلِّه"، نحوُ:"جاءَ الجيشُ أَجمَعُ"، واستعمالُ"جَمعاءَ"غيرَ مَسبوقةٍ بـ"كُلِّها"، نحوُ:"جاءَتِ القَبيلةُ جَمْعَاءُ"، واستعمالُ"أَجمعينَ"غيرَ مَسبوقةٍ بـ"كُلِّهم"، نحوُ:"جاءَ القوْمُ أَجمعونَ"، واستعمالُ"جُمَعَ"غيرَ مَسبوقةٍ بـ"كُلِّهِنَّ"، نحوُ:"جاءَ النساءُ جُمَعُ"، وزَعَمَ المصَنِّفُ أنَّ ذلك قَليلٌ، ومنه قولُه:

289 -يا لَيْتَنِي كُنْتُ صَبِيًّا مُرْضَعَا ... تَحْمِلُنِي الذَّلْفَاءُ حَوْلًا أَكْتَعَا

إذَا بَكَيْتُ قَبَّلَتْنِي أَرْبَعَا إذًا ظَلِلْتُ الدَّهْرَ أَبْكِي أَجْمَعَا [4]

(1) (واستَعْمَلُوا) فعْلٌ وفاعلٌ، (أَيضًا) مَفعولٌ مطلَقٌ لفعْلٍ محذوفٍ، (ككُلٍّ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن قوله (قولِه:(فاعِلَه) الآتي، (فاعِلَه) مَفعولٌ به لاسْتَعْمَلُوا، (مِن عَمَّ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن فاعِلَه أَيضًا، (في التوكيدِ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ باستَعْمَلُوا، (مِثْلَ) حالٌ ثالثٌ مِن فاعِلَه أيضًا، ومِثْلَ مضافٌ و (النافِلَهْ) مضافٌ إليه.

(2) و (بعدَ) ظرْفٌ متَعَلِّقٌ بقولِه: ه (أكَّدُوا) الآتي، وبعْدَ مُضافٌ و (كُلٍّ) مضافٌ إليه، (أَكَّدُوا) فعْلٌ وفاعلٌ، (بأَجْمَعَا) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بأَكَّدُوا، (جَمْعَاءَ أَجمعينَ ثم جُمَعَا) مَعطوفاتٌ على (أَجْمَعَا) بعاطِفٍ مقَدَّرٍ فيما عَدَا الأخيرَ.

(3) (ودُونَ) ظرْفٌ متَعَلِّقٌ بقولِه: يَجيءُ الآتي، ودُونَ مضافٌ و (كلٍّ) مضافٌ إليه، (قد) حرْفُ تَقليلٍ، (يَجيءُ) فعْلٌ مضارِعٌ، (أَجْمَعُ) فاعلُ يَجيءُ، (جَمْعَاءُ أَجمعونَ ثم جُمَعُ) مَعطوفاتٌ على (أَجمعُ) بعاطِفٍ مقَدَّرٍ فيما عَدَا الأخيرَ.

(4) 289 - هذه الأبياتُ لراجِزٍ لا يُعلَمُ اسْمُه.

اللغةُ: (الذَّلْفَاءُ) أصْلُه وَصْفٌ لِمُؤَنَّثِ الأَذْلَفِ، وهو مَأخوذٌ مِن الذَّلَفِ - بالتحريكِ - وهو صِغَرُ الأنْفِ واستواءُ الأَرْنَبَةِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى العَلَمِيَّةِ، فسُمِّيَتْ به امْرَأَةٌ، ويَجوزُ هنا أنْ يَكونَ عَلَمًا وأنْ يكونَ باقِيًا على وَصفِيَّتِه، (حَوْلًا) عامًا، (أَكْتَعَا) تامًّا كامِلًا، وقد قالوا: (أَتَى عليه حَوْلٌ أكتَعُ) ؛ أيْ: تامٌّ؛ كذا قالَه الجوهرىلْجَوْهَرِيُّ.

الإعرابُ: (يا) حرْفُ تَنبيهٍ، أو حرْفُ نِداءٍ حُذِفَ المنادَى به، (ليتنىلَيْتَنِي) ليتَ: حرْفُ تَمَنٍّ، والنونُ للوِقايَةِ، والياءُ اسمُ لَيْتَ، (كُنتُ) كانَ: فعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ، والتاءُ اسْمُه، (صَبِيًّا) خبَرُ كانَ، (مُرْضَعَا) نعْتٌ لصبىلصَبِيٍّ، وجُملةُ (كانَ) واسمِه وخَبَرِه في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ (ليتَ) ، (تحلمنىتَحْمِلُنِي) تَحْمِلُ: فعْلٌ مضارِعٌ، والنونُ للوِقايَةِ، وياءُ المتكلِّمِ مَفعولٌ به، (الذَّلْفَاءُ) فاعِلُ تَحْمِلُ، (حَوْلًا) ظرْفُ زمانٍ متَعَلِّقٌ بتَحْمِلُ، (أَكْتَعَا) تَوكيدٌ لقولِه: حَوْلًا، وإذا لاَحَظْتَ ما فيه مِن معنى المشتَقِّ صَحَّ أنْ تَجعلَه نَعْتًا له، (إذا) ظرْفٌ ضُمِّنَ معنَى الشرْطِ، وجُملةُ (بَكَيْتُ) في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ إذا إليها، (قبلتنىقَبَّلَتْنِي) قَبَّلَ: فعْلٌ ماضٍ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، والفاعلُ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه: هي، يعودُ إلى الذَّلْفَاءُ، والنونُ للوِقايَةِ، وياءُ المتكَلِّمِ مَفعولٌ أوَّلُ، (أرْبَعَا) مَفعولٌ ثانٍ، وأصلُه نعْتٌ لمحذوفٍ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها جوابُ (إذا) الشرطيَّةِ غيرِ الجازِمَةِ، (إذا) حرْفُ جَوابٍ، (ظَلَلْتُ) : ظَلَّ: فعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ، والتاءُ اسْمُه، (الدهْرَ) ظرْفُ زمانٍ مُتَعَلِّقٌ بأبكى بأَبْكِي، (أبكىأَبْكِي) فعْلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه: أنا، والجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ خبَرُ ظَلَّ، (أَجْمَعَ) تَوكيدٌ للدهْرِ.

الشاهِدُ فيه: في هذا البيتِ ثلاثةُ شَوَاهِدَ يَسْتَدِلُّ بها النُّحاةُ على مَسائلَ مِن بابِ التوكيدِ:

الشاهِدُ الأوَّلُ - وهو المرادُ هنا - في قولِه: (الدهْرَ .... أَجْمَعَا) ؛ حيثُ أكَّدَ الدهْرَ بأَجْمَعَ، مِن غيرِ أنْ يُؤَكِّدَه أوَّلًا بكُلٍّ.

والثاني في قوله (قولِه:(حَوْلًا أَكْتَعَا) ؛ فإنه يَدُلُّ لِمَا ذَهَبَ إليه الكُوفِيُّونَ مِن جَوازِ تَوكيدِ النَّكِرَةِ إذا كانتْ مَحدودةً بأنْ يَكونَ لها أوَّلُ وآخِرُ مَعروفانِ؛ كيَوْمٍ وشَهْرٍ وعامٍ وحَوْلٍ ونحوِ ذلك. وذهَبَ المصنِّفُ إلى جوازِ ذلك، والبَصرِيُّونَ يَأْبَوْنَ تَأكيدَ النَّكِرَةِ؛ مَحدودةً أو غيرَ مَحدودةٍ، وسيأتي هذا الموضوعُ بعَقِيبِ ما نَتَكَلَّمَ فيه الآنَ.

والثالثُ في قوله (قولِه:(الدهْرَ أَبْكِي أَجْمَعَا) ؛ حيثُ يَدُلُّ على أنَّه قد يُفْصَلُ بينَ التوكيدِ والمؤكَّدِ بأجنبىبأَجْنَبِيٍّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت