فهرس الكتاب
انْفِصَالِ)، وهذا الذي ذَكَرَه ليسَ على إطلاقِه، بل إنما يَجُوزُ تقديمُ غيرِ الأخَصِّ في الانفصالِ عندَ أمنِ اللَّبْسِ، فإنْ خِيفَ لَبْسٌ لم يَجُزْ، فإنْ قُلْتَ: زَيْدٌ أَعْطَيْتُكَ إِيَّاهُ [1] لم يَجُزْ تَقْدِيمُ الغائبِ، فلا تقولُ: زَيْدٌ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاكَ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ هل زيدٌ مأخوذٌ أو آخِذٌ.
وفي اتِّحَادِ الرُّتْبَةِ الْزَمْ فَصْلاَ ... وقدْ يُبِيحُ الغَيْبُ فِيهِ وَصْلاَ [2]
إذا اجْتَمَعَ ضَمِيرَانِ وكانا مَنْصُوبَيْنِ واتَّحَدَا في الرُّتْبَةِ، كأنْ يَكُونَا لِمُتَكَلِّمَيْنِ أو مُخَاطَبَيْنِ أو غائِبَيْنِ، فإنَّه يَلْزَمُ الفصلُ في أَحَدِهما، فتقولُ: أَعْطَيْتَنِي إِيَّايَ وأَعْطَيْتُكَ إِيَّاكَ، وأَعْطَيْتُه إِيَّاهُ، ولا يَجُوزُ اتِّصَالُ الضميريْنِ، فلا تقولُ: أَعْطَيْتَنِينِي، ولا أَعْطَيْتُكَكَ، ولا أَعْطَيْتُهُوهُ، نعمْ إنْ كانَا غائبيْنِ واخْتَلَفَ لَفْظَهُما فقدْ يَتَّصِلانِ، نحوُ: الزيدانِ الدِّرْهَمُ أَعْطَيْتُهُمَاهُ، وإليه أشارَ بقولِهِ في (الكافيةِ) :
معَ اخْتِلافٍ مَا وَنَحْوَ: (ضَمِنَتْ ... إيَّاهُمُ الأَرْضُ) الضرورةُ اقْتَضَتْ
ورُبَّمَا أُثْبِتَ هذا البيتُ في بعضِ نُسَخِ الأَلْفِيَّةِ، وليسَ مِنها، وأشارَ بقولِهِ: (وَنَحْوَ ضَمِنَت. إلى آخِرِ البيتِ) إلى أنَّ الإتيانَ بالضميرِ منفصِلًا في موضعٍ يَجِبُ فيه اتِّصالهُ ضرورةٌ؛ كقولِهِ:
بالبَاعِثِ الوَارِثِ الأَمْوَاتَ قَدْ ضَمِنَتْ ... إيَّاهُمُ الأَرْضُ في دَهْرِ الدَّهَارِيرِ [3] [15]
وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذلك.
وقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الفِعْلِ الْتُزِمْ ... نُونُ وِقَايَةٍ (وَلَيْسِي) قدْ نُظِمْ [4]
إذا اتَّصَلَ بالفعلِ ياءُ المتكلِّمِ لَحِقَتْه لُزُومًا نونٌ تُسَمَّى نونُ الوِقايةِ، وسُمِّيَتْ بذلكَ؛ لأنَّها تَقِي الفعلَ مِن الكسرِ، وذلك نحوُ: (أَكْرَمَنِي ويُكْرِمُنِي وأَكْرِمْنِي) ، وقد جاءَ حَذْفُها معَ ليسَ شُذُوذًا؛ كما قالَ الشاعِرُ:
17 -عَدَدْتُ قَوْمِي كَعَدِيدِ الطَّيْسِ ... إِذْ ذَهَبَ القَوْمُ الكِرَامُ لَيْسِي [5]
(1) إنما يَقَعُ اللَّبْسُ فيما إذا كانَ كلُّ واحدٍ مِن المفعوليْنِ يَصْلُحُ أنْ يكونَ فاعِلًا؛ كما تَرَى في مِثالِ الشارحِ، أَلَسْتَ تَرَى أنَّ المخاطَبَ وزَيدًا يَصْلُحُ كلٌّ مِنهما أنْ يكونَ آخِذًا ويَصْلُحُ أنْ يكونَ مأخوذًا، أمَّا نحوُ: (الدِّرْهَمُ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاكَ) أو (الدِّرْهَمُ أَعْطَيْتُكَ إِيَّاهُ) فلا لَبْسَ؛ لأنَّ المخاطَبَ آخِذٌ تَقَدَّمَ أو تَأَخَّرَ، والدِّرْهَمَ مأخوذٌ تَقَدَّمَ أو تَأَخَّرَ.
(2) (وفي اتِّحَادِ) الواوُ حرفُ عطفٍ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بالْزَمِ الآتِي، واتحادِ مضافٌ و (الرُّتْبَةِ) مضافٌ إليه، (الْزَمْ) فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (فَصْلاَ) مفعولٌ به لالْزَمْ، (وقَد) الواوُ عاطفةٌ، قدْ: حرفٌ دالٌّ على التقليلِ، (يُبِيحُ) فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، (الْغَيْبُ) فاعلُ يُبِيحُ، (فِيهِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بيُبِيحُ، (وَصْلاَ) مفعولٌ به ليُبِيحُ.
(3) مَضَى شرحُ هذا البيتِ قَريبًا (ص 63) فارْجِعْ إليه هناكَ، وهو الشاهدُ رَقْمُ 15.
(4) (وقبلَ) الواوُ حرفُ عطفٍ، قبلَ ظرفُ زمانٍ مُتَعَلِّقٌ بالْتُزِم الآتِي، وقبلَ مضافٌ و (يَا) مضافٌ إليه، ويا مضافٌ و (النَّفْسِ) مضافٌ إليه، (معَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ مِن يا النفسِ، ومعَ مضافٌ و (الفعلِ) مضافٌ إليه، (الْتُزِمْ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ مبنيٌّ على الفتحِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، وسُكِّنَ لأجلِ الوقفِ، و (نونُ) نائبُ فاعلٍ لالْتُزِم مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، ونونُ مضافٌ و (وِقَايَةٍ) مضافٌ إليه، (ولَيْسِي) الواوُ عاطفةٌ، لَيْسِي: قُصِدَ لفظُه مبتدأٌ، (قدْ) حرفُ تحقيقٍ، (نُظِمْ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، مبنيٌّ على الفتحِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، وسَكَّنَه لأجلِ الوقفِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على لَيْسِي، والجملةُ مِن الفعلِ ونائبِ الفاعلِ في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ.
(5) هذا البيتُ نَسَبَه جماعةٌ مِن العلماءِ ـ ومنهم ابنُ مَنْظُورٍ في (لِسانِ العربِ) (ط ي س) ـ لِرُؤْبَةَ بْنِ العَجَّاجِ، وليسَ موجودًا في ديوانِ رَجَزِه، ولكنَّه موجودٌ في زِيَادَاتِ الديوانِ.
اللغةُ: (كَعَدِيدِ) العَديدُ كالعَدَدِ، يُقالُ: هم عَدِيدُ الثَّرَى؛ أي: عَدَدُهم مِثْلُ عَدَدِه، و (الطَّيْسُ) بفتحِ الطاءِ المهملةِ، وسكونِ الياءِ المثنَّاةِ مِن تحتُ، وفي آخرِه سينٌ مهملةٌ ـ الرملُ الكثيرُ، وقالَ ابنُ مَنْظُورٍ: (واخْتَلَفُوا في تفسيرِ الطَّيْسِ؛ فقالَ بعضُهم: كلُّ مَن عَلى ظهرِ الأرضِ مِن الأنامِ فهو مِن الطَّيْسِ. وقالَ بعضُهم: بل هو كلُّ خلقٍ كثيرِ النسلِ، نحوُ: النملِ والذُّبَابِ والهَوَامِّ. وقِيلَ: يعني الكثيرَ مِن الرملِ) . اهـ. (لَيْسِي) أرادَ غيرِي، اسْتَثْنَى نفسَه مِن القومِ الكرامِ الذين ذَهَبُوا، هذا ويُرْوَى صَدْرُ الشاهدِ:
* عَهْدِي بِقَوْمِي كَعَدِيدِ الطَّيْسِ *
وهي الروايةُ الصحيحةُ المعنَى.
المعنى: يَفْخَرُ بقومِه، ويَتَحَسَّرُ على ذَهابِهم، فيقولُ: عَهْدِي بقومِي الكرامِ الكثيرينَ كَثْرَةً تُشْبِهُ كثرةَ الرملِ حاصلٌ، وقد ذَهَبُوا إلاَّ إيَّايَ، فإنَّنِي بَقِيتُ بعدَهم خَلَفًا عنهم.
الإعرابُ: (عَدَدْتُ) فعلٌ وفاعلٌ، (قَوْمِي) قوم: مفعولٌ به، وقوم مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، (كَعَدِيدِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صفةٍ لموصوفٍ محذوفٍ، والتقديرُ: عَدَدْتُهُم عَدًّا مِثلَ عَدِيدِ ... ، وعديدِ مضافٌ و (الطَّيْسِ) مضافٌ إليه، (إذْ) ظرفٌ دالٌّ على الزمانِ الماضِي، مُتَعَلِّقٌ بعَدَدْتُ، (ذَهَبَ) فعلٌ ماضٍ، (الْقَوْمُ) فاعلُه، (الكِرامُ) صفةٌ للقومِ، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ الظرفِ إليها، (لَيْسِي) ليسَ: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ دالٌّ على الاستثناءِ، واسمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه هو يَعودُ على البعضِ المفهومِ مِن القومِ، والياءُ خَبَرُه مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نصبٍ.
الشاهدُ فيه: في هذا البيتِ شاهدانِ، وكلاهما في لفظِ (لَيْسِي) :
أمَّا الأوَّلُ: فإنَّه أتَى بخبرِه ضَميرًا مُتَّصِلًا، ولا يَجُوزُ عندَ جَمْهَرَةِ النحاةِ أنْ يكونَ إلاَّ مُنْفَصِلًا، فكانَ يَجِبُ عليه ـ على مذهبِهم هذا ـ أنْ يقولَ: ذَهَبَ القومُ الكرامُ ليسَ إيَّايَ.
والثاني: وهو الذي جاءَ الشارحُ بالبيتِ من أجلِه هنا، حيثُ حَذَفَ نونَ الوقايةِ مِن ليسَ معَ اتِّصالِها بياءِ المتكلِّمِ، وذلك شاذٌّ عندَ الجمهورِ الذين ذَهَبُوا إلى أنَّ (ليسَ) فعلٌ، وانْظُرْ ما ذَكَرْنَاه آنفًا.