الصفحة 82 من 811

والكثيرُ في (قدْ وقَطْ) ثُبُوتُ النونِ، نحوُ: قَدْنِي وقَطْنِي، ويَقِلُّ الحَذْفُ، نحوُ: قَدِي وقَطِي؛ أي: حَسْبِي، وقدِ اجْتَمَعَ الحذفُ والإثباتُ في قَوْلِهِ:

21 -قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي ... ليسَ الإمامُ بالشَّحِيحِ المُلْحِدِ [1]

(1) هذا البيتُ لأبي نُخَيْلَةَ حُمَيْدِ بنِ مَالِكٍ الأَرْقَطِ، أحدِ شعراءِ عصرِ بني أُمَيَّةَ، مِن أُرْجُوزَةٍ له يَمْدَحُ فيها الحَجَّاجَ بنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ، ويُعَرِّضُ بعبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ.

اللغةُ: أرادَ بالخُبَيْبَيْنِ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْرِ ـ وكُنْيَتُه أبو خُبَيْبٍ ـ ومُصْعَبًا أخاهُ، وغَلَّبَه لشُهْرَتِه، ويُرْوَى (الخَبِيبِينَ) ـ بصيغةِ الجمعِ ـ يُريدُ أبا خُبَيْبٍ وشِيعَتَه، ومعنَى (قَدْنِي) حَسْبِي وكَفَانِي، (ليسَ الإمامُ ... إلخ) أرادَ بهذه الجملةِ التعريضَ بعبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ؛ لأنَّه كانَ قد نَصَّبَ نفسَه خليفةً بعدَ موتِ مُعَاوِيَةَ بنِ يَزِيدَ، وكانَ ـ معَ ذلك ـ مُبَخَّلًا لا تَبِضُّ يَدُه بعَطاءٍ.

الإعرابُ: (قَدْنِي) قد: اسمٌ بمعنى حَسْبُ مبتدأٌ، مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعٍ، والنونُ للوقايةِ، وقد مُضافٌ والياءُ التي للمتكلِّمِ مضافٌ إليه، مبنيٌّ على السكونِ في محَلِّ جرٍّ، (مِن نَصْرِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ المبتدأِ، ونَصْرِ مضافٌ و (الخُبَِيبَيْنِ) مضافٌ إليه، (قَدِي) يجوزُ هنا أنْ يكونَ (قد) هذا اسمَ فعلٍ، وقد جَعَلَه ابنُ هِشامٍ اسمَ فِعْلٍ مضارعٍ بمعنَى يَكْفِينِي، وجَعَلَه غيرُه اسمَ فعلٍ ماضٍ بمعنَى كَفَانِي، وجَعَلَه آخرونَ اسمَ فعلِ أمرٍ بمعنى لِيَكْفِنِي، وهذا الأخيرُ رأيٌ ضعيفٌ جِدًّا، وياءُ المتكلِّمِ على كلِّ هذه الآراءِ مفعولٌ به، ويَجُوزُ أنْ يكونَ (قد) اسْماًَ بمعنَى حَسْبُ مُبْتَدأً، وياءُ المتكلِّمُ مضافٌ إليه، والخبرُ محذوفٌ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه مؤكِّدَةٌ لجملةِ المبتدأِ وخبرِه السابقةِ، (ليسَ) فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، (الإمامُ) اسْمُها، (بِالشَّحِيحِ) الباءُ حرفُ جرٍّ زائدٌ، الشحيحِ: خبرُ ليسَ منصوبٌ بفتحةٍ مقدَّرَةٍ على آخِرِه مَنَعَ مِن ظُهُورِها اشتغالُ المَحَلِّ بحركةِ حرفِ الجرِّ الزائدِ، (المُلْحِدِ) صفةٌ للشحيحِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (قَدْنِي) و (قَدِي) حيثُ أَثْبَتَ النونَ في الأُولَى وحَذَفَها من الثانيةِ، وقدِ اضْطَرَبَتْ عباراتُ النَّحْوِيِّينَ في ذلكَ؛ فقالَ قومٌ: إنَّ الحذفَ غيرُ شاذٍّ، ولكنَّه قليلٌ. وتَبِعَهم المصنِّفُ والشارِحُ.

وقالَ سِيبَوَيْهِ: (وقدْ يَقُولُونَ في الشعرِ: قَطِي وقَدِي، فأمَّا الكلامُ فلا بُدَّ فيه من النونِ، وقدِ اضْطُرَّ الشاعرُ فقالَ: قَدِي شَبَّهَه بحَسْبِي؛ لأنَّ المعنى واحدٌ) . اهـ.

وقالَ الأَعْلَمُ: (وإثباتُها - النونُ - في قدْ وقَطْ هو المستعمَلُ؛ لأنَّهما في البناءِ ومضارعةِ الحروفِ بمنزلةِ مِن وعن، فتَلْزَمُهُمَا النونُ المكسورةُ قبلَ الياءِ؛ لئلا يُغَيَّرَ آخِرُهما عن السكونِ) . اهـ.

وقالَ الجَوْهَرِيُّ: (وأمَّا قولُهم: قَدْكَ بمعنى حَسْبُ فهو اسمٌ، وتقولُ: قَدِي، وقَدْنِي أيضًًا بالنونِ على غيرِ قياسٍ؛ لأنَّ هذه النونَ إنما تُزَادُ في الأفعالِ وِقايةً لها، مثلُ ضَرَبَنِي وشَتَمَنِي) .

وقالَ ابنُ بريٍّ يَرُدُّ على الجَوْهَرِيِّ: (وَهِمَ الجَوْهَرِيُّ في قَوْلِهِ: إنَّ النونَ في قَدْنِي زِيدَتْ على غيرِ قياسٍ، وجَعْلِ النونِ مخصوصًا بالفعلِ لا غيرُ، وليسَ كذلكَ، وإنما تُزَادُ وقايةً لحركةٍ أو سكونٍ في فعلٍ أو حرفٍ، كقولِكَ في مِن وعن إذا أَضَفْتَهُمَا لنَفْسِكَ: مِنِّي وعَنِّي، فزِدْتَ نونَ الوقايةِ لتَبْقَى نونُ مِن وعن على سكونِها، وكذلكَ في قَدْ وقَطْ، وتقولُ: قَدْنِي وقَطْنِي، فتَزِيدُ نونَ الوقايةِ لتَبْقَى الدالُ والطاءُ على سُكُونِها، وكذلك زَادُوها في لَيْتَ، فقالوا: لَيْتَنِي؛ لتَبْقَى حركةُ التاءِ على حالِها، وكذلكَ قالُوا في ضَرَبَ: ضَرَبَنِي؛ لِتَبْقَى الباءُ على فتحِها، وكذلكَ قالُوا في اضْرِبْ: اضْرِبْنِي، أَدْخَلُوا نونَ الوقايةِ لِتَبْقَى الباءُ على سُكُونِها) . اهـ.

ولابنِ هِشامٍ هنا كلامٌ كثيرٌ وتَفريعاتٌ طويلةٌ لم يَسْبِقْه إليها أحدٌ مِن قُدَامَى العلماءِ، وهي في (مُغْنِي اللَّبِيبِ) ، وقد عُنِيْنَا بذِكْرِها والردِّ عليها في حَوَاشِينا المستفيضةِ على شرحِ الأَشْمُونِيِّ فارْجِعْ إليها هناكَ إنْ شِئْتَ (وانْظُرِ الأبياتَ التي أَنْشَدْنَاها في شرحِ الشاهدِ رَقْمِ 18؛ ففيها شاهدٌ لهذه المسألةِ، وهو رابعُ تلك الأبياتِ) .

هذا، ولم يَتَكَلَّمِ المصنِّفُ ولا الشارحُ عن الاسمِ المعرَبِ إذا أُضِيفَ لياءِ المتكلِّمِ، واعْلَمْ أنَّ الأصلَ في الاسمِ المعربِ ألاَّ تَتَّصِلَ به نونُ الوقايةِ، نحوُ: ضَارِبِي ومُكْرِمِي، وقد أُلْحِقَتْ نونُ الوقايةِ باسمِ الفاعلِ المضافِ إلى ياءِ المتكلِّمِ في قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقُونِي ) ). وفي قولِ الشاعرِ:

ولَيْسَ المُوَافِينِي لِيُرْفَدَ خَائِبًا ... فإنَّ لهُ أَضْعَافَ مَا كَانَ أَمَّلاَ

وفي قولِ الآخَرِ:

ألاَ فَتًى مِن بَنِي ذُبْيَانَ يَحْمِلُنِي ... وليسَ حَامِلَنِي إلاَّ ابنُ حَمَّالِ

وفي قولِ الآخرِ:

وليسَ بمُعيينِي وفي الناسِ مَمْتَعٌ ... صديقٌ إذَا أَعْيَا عَلَيَّ صَدِيقُ

كما لَحِقَتْ أفعلَ التفضيلِ في قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( غَيْر الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ ) )لمشابهةِ أفعلِ التفضيلِ لفعلِ التعجُّبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت