فهرس الكتاب
22 -بأنَّ ذَا الكَلْبِ عَمْرًا خَيْرَهُمْ حَسَبًا ... بِبَطْنِ شِرْيَانَ يَعْوِي حَوْلَهُ الذِّيبُ [1]
وظاهِرُ كلامِ المصنِّفِ أنه يَجِبُ تأخيرُ اللَّقَبِ إذا صَحِبَ سِوَاهُ، ويَدْخُلُ تحتَ قَوْلِهِ: (سِوَاهُ) الاسمُ والكُنْيَةُ، وهو إنما يَجِبُ تَأْخِيرُه معَ الاسمِ، فأمَّا معَ الكُنْيَةِ فأنتَ بالخِيَارِ [2] بينَ أنْ تُقَدِّمَ الكُنْيَةَ على اللَّقَبِ فتقولَ: أبو عبدِ اللهِ زَيْنُ العابدينَ، وبينَ
(1) البيتُ لجنوبَ أُخْتِ عمرٍو ذي الكلبِ بنِ العَجْلانِ أحدِ بَنِي كَاهِلٍ، وهو مِن قصيدةٍ لها تَرْثِيهِ بِها، وأوَّلُها:
كلُّ امْرِئٍ بمِحَالِ الدَّهْرِ مَكْذُوبُ ... وكلُّ مَن غَالَبَ الأَيَّامَ مَغْلُوبُ
اللغةُ: (مِحَالُ الدهرِ) بكسرِ الميمِ، بزِنَةِ كتابٍ: كَيْدُه أو مَكْرُه، وقيلَ: قُوَّتُه وشِدَّتُه، (شِرْيَانَ) ـ بكسرِ أوَّلِهِ وسكونِ ثانيه ـ موضعٌ بعينِه، أو وادٍ، أو هو شجرٌ تُعْمَلُ منه القِسِيُّ، (يَعْوِي حولَه الذِّيبُ) كِنايةٌ عن موتِه، والباءُ مِن قولِها: (بأنَّ) مُتَعَلِّقَةٌ بأَبْلِغْ في بيتٍ قبلَ بيتِ الشاهدِ، وهو قولُها:
أَبْلِغْ هُذَيْلًا وأَبْلِغْ مَن يُبَلِّغُهُمْ ... عَنِّي حَدِيثًا، وبعضُ القولِ تَكْذِيبُ
الإعرابُ: (بأنَّ) الباءُ حرفُ جرٍّ، وأنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، (ذَا) بمعنى صاحبٍ: اسمُ أنَّ، منصوبٌ بالألفِ نيابةً عن الفتحةِ؛ لأنَّه من الأسماءِ الستَّةِ، وذا مضافٌ و (الكَلْبِ) مضافٌ إليه، (عَمْرًا) بَدَلٌ مِن ذا، (خَيْرَهُمْ) خيرَ: صفةٌ لعَمْرًا، وخيرَ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (حَسَبًا) تمييزٌ، (بِبَطْنِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ أنَّ، وبَطْنِ مضافٌ و (شِرْيَانَ) مضافٌ إليه، (يَعْوِي) فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ بضمَّةٍ مقدَّرَةٍ على الياءِ للثِّقَلِ، (حَوْلَهُ) حولَ: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بيَعْوِي، وحولَ مضافٌ وضميرُ الغائبِ العائدُ إلى عمرٍو مضافٌ إليه، (الذِّيبُ) فاعلُ يَعْوِي، والجملةُ من يَعْوِي وفاعلِه في محلِّ نصبِ حالٍ مِن عمرٍو، ويجوزُ أنْ يكونَ قَوْلُها: (بِبَطْنِ) جارًّا ومجرورًا مُتَعَلِّقًا بمحذوفٍ حالٍ مِن عمرٍو، وتكونُ جملةُ (يَعْوِي إلخ) في محلِّ رفعِ خبرِ أنَّ، وأنَّ وما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بالباءِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بأَبْلِغْ في البيتِ الذي أَنْشَدْنَاهُ.
الشاهدُ فيه: قولُها: (ذَا الْكَلْبِ عَمْرًا) حيثُ قَدَّمَتِ اللقبَ ـ وهو قولُها: (ذا الكلبِ) ـ على الاسمِ، وهو قولُها: (عمرًا) ، والقياسُ أنْ يكونَ الاسمُ مقدَّمًا على اللَّقَبِ، ولو جاءَتْ بالكلامِ على ما يَقْتَضِيهِ القياسُ لقَالَتْ: (بأنَّ عَمْرًا ذا الكَلْبِ) .
وإنما وَجَبَ في القياسِ تقديمُ الاسمِ وتأخيرُ اللقبِ؛ لأنَّ الاسمَ يَدُلُّ على الذاتِ وحدَها، واللَّقَبَ يَدُلُّ عليها وعلى صفةِ مدحٍ أو ذمٍّ، كما هو معلومٌ، فلو جِئْتَ باللقبِ أوَّلًا لَمَا كانَ لذِكْرِ الاسمِ بعدَه فائدةٌ، بخلافِ ذِكْرِ الاسمِ أوَّلًا؛ فإنَّ الإتيانَ بعدَه باللقبِ يُفِيدُ هذه الزيادةَ.
ومثلُ هذا البيتِ في تقديمِ اللقبِ على الاسمِ قولُ أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ بنِ قَيْسِ بنِ أَصْرَمَ الأَنْصَارِيِّ الخَزْرَجِيِّ.
أنا ابنُ مُزَيْقِيَا عَمْرٍو، وجَدِّي ... أَبُوهُ عَامِرٌ مَاءُ السَّماءِ
والشاهدُ في قَوْلِهِ: (مُزَيْقِيَا عَمْرٍو) ؛ فإنَّ (مُزَيْقِيَا) لقبٌ، و (عمرٌو) اسمُ صاحبِ اللقبِ، وقد قُدِّمَ هذا اللقبُ على الاسمِ كما تَرَى، أما قولُه: (عامرٌ ماءُ السماءِ) فقد جاءَ على الأصلِ؛ لأنَّ عامرًا اسمٌ، وماءَ السماءِ لقبٌ، وقد قُدِّمَ الاسمُ وأُخِّرَ اللَّقَبُ.
(2) هذا الذي ذكَرَه الشارِحُ هو ما ذَكَرَه كِبارُ النَّحْوِيِّينَ مِن جَوَازِ تقديمِ الكُنْيَةِ على اللقبِ أو تأخيرِها عنه، والذي نُرِيدُ أنْ نُنَبِّهَ عليه أنَّ الشارحَ وغيرَه ـ كصاحبِ (التوضيحِ) ابنِ هِشامٍ الأنصاريِّ ذَكَرُوا أنَّ قولَ ابنِ مَالكٍ:
* وأَخِّرَنْ ذَا إِنْ سِوَاهُ صَحِبَا *
مُوهِمٌ لخلافِ المرادِ، مُعْتَمِدِينَ في ذلك على مَذْهَبِ جَمْهَرَةِ النُّحاةِ، لكنْ قالَ السُّيُوطِيُّ في هَمْعِهِ: إنْ كانَ -أي: اللقبُ - معَ الكُنْيَةِ فالذي ذَكَرُوه جوازُ تَقَدُّمِهِ عليها وتَقَدُّمِها عليه، ومُقْتَضَى تعليلِ ابنِ مالكٍ امتناعُ تقديمِه عليها، وهو المختارُ.
وهذا يُفِيدُ أنَّ الذي يُوهِمُه كلامُ المصنِّفِ مقصودٌ له، وأنَّ مذهبَه وجوبُ تأخيرِ اللقبِ على ما عَدَاهُ، سواءٌ أكانَ ما عداه اسمًا أم كُنْيَةً، وكُنْتُ قد كَتَبْتُ على هامشِ نُسْخَتِي تصحيحًا لبيتِ المصنِّفِ هذا نَصُّه: (وأَخِّرَنْ هَذَا إِنِ اسْمًا صَحِبَا) ثمَّ ظَهَرَ لي أنه لا يَجُوزُ تصحيحُ العبارةِ بشيءٍ مما ذَكَرْنَاهُ وذَكَرَه الشارحُ أو غيرُه.
وعبارةُ ابنِ هِشامٍ في (أوضحِ المسالكِ) تُفيدُ أنَّ هذه العبارةَ التي اعْتَرَضَها الشارحُ قد وَرَدَتْ على وجهٍ صحيحٍ في نظرِ الجمهورِ، قالَ ابنُ هشامٍ: (وفي نسخةٍ من الخُلاَصةِ ما يَقْتَضِي أنَّ اللقبَ يَجِبُ تأخيرُه عن الكُنْيَةِ؛ كأبي عبدِ اللهِ أنفِ الناقةِ، وليسَ كذلكَ) اهـ.
ومعنَى ذلك أنه قد وَرَدَتْ في النسخةِ المعتمدةِ عندَه على الوجهِ الصحيحِ في نظرِ الجمهورِ، وقد ذَكَرَ الشارحُ هنا نصَّ هذه النسخةِ.