بقدر اقترافه منها، قال الله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا} [36: الأحزاب] .
ومنها ما دل عليه حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وهو حديث صحيح، أن النبي -صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلَهِ وَسَلَم- قال: «الهجرة هجرتان: هجرة الحاضر، وهجرة البادي؛ فهجرة البادي أن يطبع إذا أمر وأن يجيب إذا دعي، وهجرة الحاضر أعظم أجرًا وأعظم بليَّةً» ، وثبت عند أحمد وغيره من حديث فضالة بن عبيد أن النبي -صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلَهِ وَسَلَم- قال: «والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» ، قال أهل العلم عند هذا الحديث: هذه أفضل هجرة بعد الهجرة من بلد الكفر إلى بلد المعاصي، وقال الحافظ عند حديث ابن عُمر: أراد النبي -صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلَهِ وَسَلَم- تسلية الذين ما هاجروا، بأنهم عندهم هجره وهي هجرة المعاصي الذين لم يهاجروا إلى المدينة أراد النبي -صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلَهِ وَسَلَم- تسليتهم بذلك، فلهذا ممكن أن تهاجر ولو لم تتيسر لك الهجرة، تهجر ما حرم الله، فأنت مهاجر كما في هذا الحديث، وتقبل على عبادة الله عز وجل في الفتن، كما في حديث معقل في الصحيح: «العبادة في الهرج كهجرةٍ إليَّ» ، هنيئًا لمن وفق للعبادة: من طلب للعلم: وقيام الليل، والدعاء لله سبحانه في أيام الفتن، والهجرة فضلها عظيم جدًّا، وهي من أسباب السعة في الرزق وغيره، قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (( (( (} .
وهجرة بلد المعاصي وليست الأرض كافرة؛ لأنه ممكن ذلك البلد يصير بلد إسلام، وإنما المقصود بها بلد كفر أن الأكثر فيها كفّار من الحكام والمحكومين؛ الأصل فيها الكفر فيقال بلاد كفر، أو كانت بدعة لا يستطيع الإنسان أن يُقيم دينه في ذلك المكان؛ فالهجرة واجبة من ذلك البلد، وجاء حديث: «أنا بريءٌٌ ممن أقام ين ظهراني الكفار» ، وهكذا قول الله سبحانه: { (( (( الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (( (( } .
وجاء في «صحيح البخاري أن هؤلاء كانوا مسلمين ولكن يُقيمون بين المشركين ويُكَثِّرُون من سوادهم ويخرجون مهم للغزو وإذا رمى المسلمون رموا فيهم، وهكذا كما ذكر الله سبحانه وتعالى عنهم استدلوا بهذه الآية على وجوب الخروج من ظهراني الكفار، وأنا اعتقد أن الذين يذهبون غربة في بلاد الغرب أنهم آثمون على بقائهم وعلى ذهابهم لغير حاجة مُلِحَّة، آثمون يذهبون ويخالطون المعاصي، ويتأثرون بالكفار بأقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم ولباسهم، وأمور يندى لها الجبين يا إخوان، من الفساد الذي لا يُستطاع تغييره، ومن ذلك ما ذُكر في تلك