ومنهم: مبتدأ باعتبار المدلول والمفهوم لا باعتبار المنطوق.
ومن كلم الله: خبر مبتدأ.
أي: بعضهم من كلمه الله.
وكقوله تعالى: {يغفر لكم من ذنوبكم} أي: يغفر لكم بعض ذنوبكم، فإذا كانت من للتبعيض - يناقض قوله تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} .
فهنا جوابان: الأول بطريق المنع.
والجواب الثاني بطريق التسليم.
تقرير المنع: أن يقال: لا نسلم أن الخطاب في الآية الأولى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لجواز أن يكون خطابا لأمة نوح عليه السلام - كما يدل عليه الكلام السابق.
وأن الله يغفر الذنوب جميعا في حق أمة محمد عليه الصلاة والسلام فلا تناقض حينئذ.
وتقرير التسليم: أن يقال: ولو سلمنا أن الخطاب في الآية الأولى
[شرح عوامل الجرجاني للأزهري: 101]
والآية الثانية لأمة واحدة - فلا تناقض أيضا لأن غفران بعض الذنوب بل عدم غفران بعضها لا يناقض غفران كلها.
-فإن قيل: عدم غفران البعض معلوم من غفران البعض.
قيل: هذا في حيز المنع لأنه ساكت - ولئن سلمنا فجاز أن يكون قوله تعالى: {يغفر الذنوب جميعا} لبعضهم - ويغفر لكم من ذنوبكم لبعض، فلا يلزم التناقض لاختلاف المحل.
3 -وللتبيين:
أي والثالث أن"من"للتبيين أي لبيان المقصود من الشيء المبهم - وعلامة صحته - وضع الموصول في محله كقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} - فإنك إذا قلت: فاجتنبوا الرجس الذي هو الوثن استقام المعنى:
فاجتنبوا: فعل وفاعل - والرجس: مفعول به.
ومن: حرف جر لبيان الجنس - والأوثان: مجرور بمن.
والجار والمجرور متعلق بقوله: فاجتنبوا.
وقيل:"من"للابتداء - والمعنى: واجتنبوا من الأوثان الرجس.
-وكثيرا ما يقع"من"لبيان الجنس بعد: ما ومهما - وهما بها أولى لإفراط إبهامهما - نحو: - {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} .
فمن رحمة: بيان لما يفتح الله.
* {ما ننسخ من آية} .
[شرح عوامل الجرجاني للأزهري: 102]
-فمن آية: بيان لما.
* و {مهما تأتنا به من آية} .
فمن آية: بيان لمهما.
-ومن مخفوضها في المواضع الثلاث في موضع نصب على الحال.
4 -والزيادة:
أي والرابع أن"من"للزيادة - وعلامة الزيادة أي يبقى أصل المعنى على حاله بحذفها، ولا بد لكونها زائدة من تقدم نفي بما وهل أو نهي.
*نحو: {ما تسقط من ورقة إلا يعلمها} .
أي ما تسقط ورقة إلا يعلمها.
* {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} .
أي: ما ترى في خلق الرحمن تفاوتا.
* {فارجع البصر هل ترى من فطور}
أي فارجع البصر هل ترى فطورا.
وتقول:"لا يقم من أحد"أي: لا يقم أحد.
فمن في هذه الآيات الثلاث - وفي المثال زائدة - وهذه الآيات والمثال مذكور في المنفي.
وأما الكوفيون والأخفش يجوزون زيادة"من"في الكلام الموجب أيضا، مستدلين بقول العرب: وقد كان من مطر - تقديره: وقد كان مطر.