الصفحة 42 من 93

فإن قيل: إن المستثنى قد يعرب على حسب العوامل، وقد يختار فيه الرفع على أنه بدل - والنصب على الاستثناء.

قيل: إن المصنف لما ذكر حروفا تنصب الاسم فقط - فذكر المثال لكون المستثنى منصوبا.

وأما كون المستثنى معربا على حسب العوامل - وكونه مرفوعا ومنصوبا، فهو لا ينفيه مع أن كون المستثنى منصوبا شائع في الاستعمال.

فإن قيل: لم خصص المصنف"إلا"بالذكر من بين أدوات الاستثناء؟

قيل: إن"إلا"هي أم باب الاستثناء لأنها موضوعة للاستثناء. بل هي موضوعة لمعان أخر، من المغايرة - والظرفية - والمجازاة - والخلو - والنفي.

فهذه الكلمات غير"إلا"إنما استعملت في باب الاستثناء بضرب من المناسبة لا أنها موضوعة للاستثناء، فلهذا خصص المصنف"إلا"بالذكر دون ما عداها.

فإن قيل: إن زيدا في قولك: جاءني القوم إلا زيدا.

إما داخل في القوم وإما خارج عن القوم، ولو قلنا: إن زيدا خارج عنهم - لا يكون مخرجا عنهم زيد في:

نحو: جاء زيد عنهم - لأن إخراج الشيء فرغ دخوله.

وأيضا: يلزم خلاف الإجماع؛ لأنهم اتفقوا على أن:

الاستثناء المتصل مخرج، ولا إخراج إلا بعد الدخول.

لأنه لو قيل: له علي عشرة إلا درهما - فالدرهم داخل في العشرة ثم أخرج.

ولو قلنا: إن زيدا داخل في القوم ثم أخرج بإلا فكأن المعنى: جاء زيد - ولم يجئ زيد - فيلزم التناقض الصريح.

وحاصل بيان التناقض أن القوم مثلا عبارة عن تسع أنفس مع زيد. فزيد واحد من التسع.

فإذا كان القوم متصفين بالمجيء فزيد اتصف بالمجيء لأنه واحد منهم.

[شرح عوامل الجرجاني للأزهري: 192]

فإذا قيل: إلا زيدا فلم يتصف زيد بالمجيء فيلزم أن زيدا يتصف بالمجيء وعدم المجيء فليس هذا إلا تناقضا - فكيف مثل هذا يقع في كلام الله تعالى - مع أنه قد وقع: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} .

فيكون المعنى: فلبث الخمسين في جملة الألف - ولم يلبث تلك الخمسين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

قيل: إن دخول المستثنى في المستثنى منه - ثم إخراجه منه"بإلا"وأخواتها إنما كانا قبل إسناد الفعل، فلا يلزم التناقض في قولك:

جاءني القوم إلا زيدا.

لأنه بمنزلة قولك:

القوم المخرج منهم زيد جاءوني.

وكذا لا يلزم التناقض في نحو قوله:

له عشرة إلا درهما.

لأنه بمنزلة قولك: العشرة المخرج منهم درهم له علي.

وذلك لأن المنسوب إليه الفعل هو المجموع المركب من المستثنى منه.

والمستثنى وإن تأخر عن الفعل لفظا لكن لا بد من التقدم - وجود على النسبة التي يدل عليها الفعل - إذ المنسوب إليه هو المجموع - والمنسوب هو الفعل سابقان على النسبة بينهما ضرورة ففي الاستثناء لما كان المنسوب إليه هو المستثنى منه مع"إلا"والمستثنى فلا بد من وجود هذه الثلاثة قبل النسبة.

فلا بد إذن من حصول الدخول والإخراج قبل النسبة فلا تناقض.

فائدة:

ولو قال: له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنتين إلا واحدا - فاللازم خمسة.

[شرح عوامل الجرجاني للأزهري: 193]

ولو رجع القهقرى إلى التسعة فاللزم واحد.

قالوا: هذه المسألة مشكلة:

إذ عند رجوع القهقرى يلزم استثناء الكل من الكل في بعض الحال، وهو لا يجوز.

قيل: استثناء الكل من الكل لا يجوز إلا إذا وقع بين الاستثناءات فإنه يجوز - صرح به صاحب المفتاح - في قسم الاستدلال.

فقال: لا يصح الكل من الكل - فلا تقل: لفلان علي ثلاثة دراهم إلا ثلاثة.

ولكن أردف الثاني ما يخرجه عن المساوات.

فقل: إن شئت لفلان علي ثلاثة دراهم إلا ثلاثة إلا اثنين إلا أربعة إلا واحدا - تم كلامه.

ولعل السر فيه: إنما الكلام إنما يتم بآخره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت