فهرس الكتاب
إحدَاهُما: عَدَمُ تَصَرُّفِها، وهذا بعد تَسْلِيمِهِ لا يَنهضُ مانعًا باتفاقٍ؛ بدليلِ اختلافِهِمْ في"لَيْسَ"معَ الإجماعِ على عدمِ تصرُّفِهَا.
والأُخرَى: أنَّ"مَا"موصولٌ حَرْفِيٌّ ولا يُفْصَلُ بينَهُ وبينَ صِلَتِهِ، وهذا أيضًا مختَلَفٌ فيهِ وقدْ أجازَ كثيرٌ الفصْلَ بينَ الموصولِ الحرفيِّ وصِلَتِهِ إذا كانَ غَيْرَ عَامِلٍ كـ"ما"المصدريةِ، لكنَّ الصورةَ الأولى أقربُ إلى كلامِهِ، أَشْعَرَ بذلك قولُهُ:
149 -كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ مَا النَّافِيَهْ فَجِئْ بِهَا مَتْلُوَّةً لَا تَالِيَهْ
(كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ"مَا"النَّافِيَهْ) أيْ: كما منعُوا أنْ يَسْبِقَ الخبرُ"ما"المصدريَّةَ كذلك منعُوا أنْ يسبقَ"ما"النافيةَ (فَجِئْ بِهَا مَتْلُوَّةً لَا تَالِيَهْ) أيْ: مَتْبُوعَةً لا تابعةً لأنَّ لها الصدرَ ولا فرقَ في ذلك بينَ أنْ يكونَ ما دخلتْ عليهِ يُشترطُ في عَمَلهِ تقدُّمُ النفْيِ؛ كـ"زَالَ"أوْ؛ كَـ"كَانَ"فَلا تقولُ:"قَائِمًا مَا كَانَ زَيْدٌ"ولا"قَاعِدًا مَا زَالَ عَمْرٌو".
قالَ في (شَرْح الكَافِيَةِ) : وكِلاهُما جائزٌ عندَ الكُوفِيِّينَ؛ لأنَّ"ما"عندَهم لا يَلزمُ تصديرُها ووافَقَ ابنُ كَيْسَانَ البَصْرِيِّينَ في"ما كَانَ"ونحوِهِ وخالَفَهُمْ في"مَا زَالَ"ونحوِهِ؛ لأنَّ نَفْيَهَا إيجابٌ.
تنبيهاتٌ: الأوَّلُ: أَفْهَمَ كلامُهُ إنَّهُ إذا كانَ النفيُ بغيرِ"ما"يجوزُ التقديمُ نحوُ"قائمًا لمْ يَزَلْ زَيْدٌ"، و"قاعدُا لمْ يكنْ عمرٌو"قالَ في (شَرْحِ +الكفاية(الكَافِيَةِ ) ) عندَ الجميعِ واستدَلَّ لهُ بقولِ الشاعِرِ [مِنَ الطَّوِيلِ] :
186 -وَرَجِّ الفَتَي لِلخَيْرِ مَا إِنْ رَأَيْتَهُ عَلَى السِّنِّ خَيْرًا لَا يَزَالُ يَزِيدُ
أَرَادَ: لَا يزالُ يزيدُ على السِّنِّ خَيْرًا فقدَّمَ معمولَ الخبرِ - وهو"خيرًا"- على الخبرِ - وهو"يزيدُ"- معَ النفْيِ بـ"لا"وتقديمُ المعمولِ يُؤْذِنُ بجَوَازِ تقديمِ العامِلِ غالِبًا لكِنَّهُ حَكَى في (التَّسْهِيلِ) الخِلافَ عَنِ الفَرَّاءِ قُلْتُ: ومِنْ شَوَاهِدِهِ الصريحةِ قولُهُ [مِنَ الرَّجَزِ] :
187 -مَهْ عَاذِلِي فَهَائِمًا لَنْ أَبْرَحَا بِمِثْلِ أَوْ أَحْسَنَ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى
الثانِي: أَفْهَمَ أيضًا جوازَ توسُّطِ الخبرِ بينَ"ما"والمنفِيِّ بها نحوُ:"مَا قَائِمًا كَانَ زَيْدٌ"و"مَا قَاعِدًا زَالَ عَمْرٌو". ومنَعَهُ بعضُهُمْ والصحِيحُ الجوازُ.
الثالثُ: قولُهُ:"كذاكَ"يُوهِمُ أنَّ هذا المنعَ مُجْمَعٌ عليهِ لِأنَّهُ شَبَّهَهُ بالمُجْمَعِ عليهِ وإنَّمَا أرادَ التشبيهَ في أصلِ المنعِ دونَ وصفِهِ لِمَا عَرَفْتَ مِنَ الخِلافِ
150 -وَمَنْعُ سَبْقِ خَبَرٍ لَيْسَ اصْطُفِي وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
151 -وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ وَالنَّقْصُ فِي فَتِئَ لَيْسَ زَالَ دَائِمًا قُفِي