فهرس الكتاب
وتَرَدَّدَ رأْيُ الناظِمِ في هذا البيتِ فأجازَ في (شَرْح التَّسْهِيلِ) القياسَ عليهِ, وتأَوَّلَهُ في (شَرْحِ الكَافِيَةِ) فقالَ:"يُمْكِنُ عندِي أنْ يُجعلَ:"أنَا"مرفوعَ فِعْلٍ مضمَرٍ ناصِبٍ باغِيًا على الحالِ تقديرُهُ: لَا أَرَى باغِيًا فلَمَّا أُضْمِرَ الفعلُ بَرَزَ الضميرُ وانْفَصَلَ ويجُوزُ أنْ يُجْعَلَ"أنَا"مبتدَأً والفعلُ المقدَّرُ بعدَهُ خبرًا ناصِبًا باغِيًا على الحالِ ويكونُ هذا مِنْ بابِ الاسْتغناءِ بالمعمُولِ عَنِ العامِلِ لدَلَالَتِهِ عليهِ، ونَظائِرُهُ كثيرةٌ؛ منها قولُهُمْ:"حُكْمُكَ مُسَمَّطًا"أي: حُكْمُكَ لَكَ"مُسَمَّطًا"أيْ: مُثْبَتًا فجَعَلَ مُسَمَّطًا وهو حالٌ مغْنِيًا عن عامِلِهِ معَ كونِهِ غيرَ فعلٍ فأنْ يُعامَلَ"باغِيًا"بذلك وعامِلُهُ فِعْلٌ أَحَقُّ وأوْلَى هذا لفظُهُ."
الثانِي: اقتضَى كلامُهُ مُساوَاةَ"لَا"لـ"لَيْسَ"في كثرةِ العملِ وَليسَ كذلك، بَلْ عملُهَا عملَ"لَيْسَ"قليلٌ حتى مَنَعَهُ الفَرَّاءُ ومَنْ وَافَقَهُ وقَدْ نَبَّهَ عليهِ في غيرِ هذا الكتابِ.
الثالثُ: الغالبُ على خبرِ"لا"أنْ يكونَ محذوفًا حتى قيلَ: إنَّ ذلك لازمٌ؛ كقولِهِ [مَجْزُوء الكَامِلِ] :
225 -مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ
أيْ: لَا براحَ لي والصحيحُ جوازُ ذِكْرِهِ كما تقدَّمَ.
["لَاتَ"و"إنْ"وشُروطُ إعمالِهَا] :
(وَقَدْ تَلِي لَاتَ وَإِنْ ذَا العَمَلَا) المذكورَ أمَّا"لَاتَ"فأَثْبَتَ سِيبَوَيْهِ والجمهورُ عملَها ونُقِلَ منعُهُ عَنِ الأخفَشِ.
وأمَّا"إنْ"فأجازَ إعمالَها الكِسَائِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيِّينَ وطائفةٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ ومَنَعَهُ جُمْهورُ البَصْرِيِّينَ واختَلَفَ النقلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ وَالمُبَرِّدِ والصَّحِيحُ الإعمالُ؛ فقدْ سُمِعَ نَثْرًا ونَظْمًا؛ فمِنَ النثرِ قولُهُمْ:"إِنْ أَحَدٌ خَيْرًا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِالعَافِيَةِ". وَجَعَلَ منهُ ابنُ جِنِّي قِرَاءَةَ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ (إِنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادًا أَمْثَالَكُمْ) على أنَّ"إنْ"نَافِيَةٌ رَفَعَتِ"الَّذِينَ"ونَصَبَتْ"عِبادًا أمثالَكُمْ"خبرًا ونعتًا، والمعنَى: ليسَ الأصنامُ الذين تدعونَ مِنْ دونِ اللهِ عِبادًا أمثالَكُمْ في +الإنصاف (الاِتِّصَافِ) بالعَقْلِ؛ فَلَوْ كانُوا أمثالَكُم وعبدْتُمُوهُمْ لكُنتمْ بذلك مخطئِينَ ضَالِّينَ فكيفَ حالُكُمْ في عِبادَةِ مَنْ هو دونكُمْ بعَدَمِ الحياةِ والإدراكِ؟ ومِنَ النظْمِ قولُهُ [مِنَ المُنْسَرِحِ] :
226 -إِنْ هُوَ مُسْتَوْلِيًا عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى أَضْعَفِ المَجَانِينِ
وقولُهُ [مِنَ الطَّوِيلِ] :
227 -إِنِ المَرْءُ مَيْتًا بِانْقِضَاءِ حَيَاتِهِ وَلَكِنْ بِأَنْ يُبْغَى عَلَيْهِ فَيُخْذَلَا