فهرس الكتاب
فإنْ لمْ تكنِ الواوُ للمُصَاحَبَةِ نَصًّا؛ كما في نحوِ:"زَيْدٌ وَعَمْرٌو مُجْتَمِعَانِ"لَمْ يَجِبِ الحذفُ؛ قال الشاعر [مِنَ الطَّوِيلِ] :
159 -تَمَنَّوْا لِيَ المَوْتَ الَّذِي يُشْعِبُ الفَتَى وَكُلُّ امْرِئٍ وَالمَوْتُ يَلْتَقِيَانِ
وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ وَالأَخْفَشُ أنَّ نحوَ:"كُلُّ رَجُلٍ +وضعيته (وَضَيْعَتُهُ) "مُسْتَغْنٍ عَنْ تقديرِ خبرٍ لأنَّ معناهُ معَ ضيعَتِهِ فكمَا أنَّكَ لوْ جِئْتَ بـ"مَعَ"موضِعِ الواوِ لمْ تَحْتَجْ إلى مزيدٍ عليها وعلى ما يَلِيهَا في حصولِ الفائدةِ، كذلك لا تَحتاجُ إليه معَ الواوِ ومَصْحُوبِها.
(وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُونُ خَبَرَا) : أيْ: ويَجِبُ حذفُ الخبرِ إذا وقعَ قبلَ حالٍ لا تصلحُ خبرًا (عَنِ) المبتدَأِ (الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا) وذلك فيما إذا كانَ المبتدَأُ مصدرًا عامِلًا في اسمٍ مُفَسِّرٍ لضميرٍ ذِي حَالٍ بعدَهُ لا تَصلحُ لأنْ تكونَ خبرًا عَنْ ذلك المبتدَأِ أوَ اسْمَ تفضيلٍ مضافًا إلى المصدرِ المذكورِ أوْ إلى مُؤَوَّلٍ بهِ فالأوَّلُ (كَضَرْبِيَ العَبْدَ مُسْيئًا) والثانِي مثلُ: (أَتَمّ تَبْيِينِيَ الحَقَّ مَنُوطًا بِالحِكَمْ) . إذا جُعِلَ"مَنُوطًا"جاريًا على الحَقِّ لا على المبتدَأِ والثالِثُ نحوُ:"أَخْطُبُ مَا يَكُونُ الأَمِيرُ قَائِمًا"والتقدير: إذ كانَ أو إذا كانَ مُسِيئًا ومَنُوطًا وقَائِمًا فمُسيئًا ومنوطًا وقائمًا: نُصِبَ على الحالِ مِنَ الضميرِ في"كانَ"وحُذفَتْ جُملةُ"كانَ"التي هي الخبرُ للعِلمِ بها وَسَدَّ الحَالُ مَسَدَّهَا، وقد عَرَفْتَ أنَّ هذه الحالَ لا تَصلحُ خبرًا؛ لِمُبايَنَتِها المبتدَأَ إذِ الضَّرْبُ مثلا لا يَصِحُّ أنْ يُخْبَرَ عنهُ بالإساءَةِ.
فإنْ قُلْتَ: جَعْلُ هذا المنصوبِ حالًا مَبْنِيٌّ على أنَّ"كانَ"تامَّةٌ، فَلِمَ لا جُعِلَتْ نَاقِصَةً والمنصوبُ خبرَهَا لأنَّ حذْفَ الناقِصَةِ أكْثَرُ؟
فالجَوَابُ إنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذلك أمرَانِ:
أحدُهُمَا: أنَّا لَمْ نَرَ العَرَبَ استعْمَلَتْ في هذا الموضِعِ إلا أَسْمَاءً منكُورَةً مُشْتَقَّةً مِنَ المصادِرِ فَحَكَمْنَا بأنَّها أحوالٌ، إذْ لو كانت أخْبَارًا لـ"كانَ"المُضْمَرَةِ لجَازَ أنْ تكونَ مَعَارِفَ وَنَكِرَاتٍ ومُشْتَقَّةً وغيرَ مُشْتَقَّةٍ.
الثانِي: وُقوعُ الجملةِ الاسميَّةِ مقرونَةً بالواوِ مَوقِعَهُ؛ كقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ لِرَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ ) )وقولِ الشاعِرِ [مِنَ البَسِيطِ] :
160 -خَيْرُ اقْتِرَابِي مِنَ المَوْلَى حَلِيفَ رِضًا وَشَرُّ بُعْدِي عَنْهُ وَهْوَ غَضْبَانُ
فإنْ قُلْتَ: فما المُحْوِجُ إلى إضمارِ"كانَ"لتكونَ عاملةً في الحالِ؟ ومَا المانعُ أنْ يَعمَلَ فيها المصدرُ؟