فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
صفحة 122
وجل. وتوسطت أهلُ السنة بأنها بخلق الله وكسب العبد بدليل قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] ، والفرقُ بين الخلق والكسب أن المقدور مخترع ومكتسب، فمن حيثُ كونه مخلوقًا يضاف إلى الله تعالى بجهة الاختراع، ومن حيث كونه كسبًا يضاف إلى العبد، ولا استحالة في دخلو مقدور واحد تحت قدرة قادرين بجهتين مختلفتين: إحداهما خلقًا وهي خارجة عن مقدور العبد والأخرى كسبًا للعبد بأقدار الله تعالى. ثم إن الباري تعالى تارة يخلق في العبد حركةً جبريةً لا يقدر على الامتناع عنها كحركة المرتعش، فهذه محض مقدور الله تعالى خلقًا وإيجادًا، وتارة حركة اختيارية عند قصد العبد ويقدره على صرفها إلى أي فعل شاء، إلا أن الله يأمره بصرفها إلى الطاعة وينهاه عن صرفها إلى المعاصي، فكان تكليفًا بما للعبد قدرة على الإيثار به والامتناع عنه، ولهذا في الحركة الجبرية لم يرد الأمر بها والنهي عنها ولم يتعلق بها تكليف.
واعلم أنه لما كان هذا المقام مما تحيرت فيه أفهام الأعلام حتى أقر بعضهم بالعجز عن فهم المرام وتحقيقُه يحتاج إلى مزيد كلام، وكان ممن جال في ذلك وحامى وناضل فيه كل علامة إمام، حتى ظهر الحق وقام وجمع بن المنقول والمعقول للأنام صاحب المسايرة المحقق الكمال ابن الهمام فسنح لي أن أذكر عبارته بالكمال والتمام لما اشتملت عليه من الفوائد العظام، قال في المسايرة: [5] فإن قيل لا شك إنه تعالى خلق للعبد قدرة على الأفعال، ولذا يدرك تفرقة ضرورية بين الحركة المقدرة والرعدة الضرورية، والقدرةُ ليست خاصيتها إلا التأثير فوجب تخصيص [6] عمومات النصوص بما سوى أفعال العباد الاختيارية، فيكونون مستقلين بإيجاد أفعالهم بقدرتهم الحادثة بخلق الله تعالى إياها كما هو رأي المعتزلة والفلاسفة فلا فرق غير أن قدرة العبد حادثة بإيجاد الله تعالى باختياره عند المعتزلة وبطريق