فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
صفحة 127
خلقها له، وهذه غير القدرة التي ذهب أكثر أهل السنة إلى أنها لا تتقدم على الفعل حتى قد يقال: إن التكليف بغير المقدور واقع لأنه يكون قبل الفعل بالضرورة ومقارن المتأخر غير موجود مع المتقدم، فإن المراد بتلك القدرة هو القدرة التي يقام بها الفعل، وهي قدرة جزئية مندرجة تحت مطلق القدرة الكلية تخلق مع الفعل. وقولنا يقام بها الفعل تساهل، وإنما هي معه إذ كان الفعل إنما هو أثر قدرة الله سبحانه وتعالى، قال القاضي أبو بكر: إن الله تعالى لا يخلق تلك القدرة إلا ويخلق الفعل تحتها فهي من الفعل بمنزلة المشروط من الشرط، فالقدرة كالمشروط والفعل كالشرط، فكما لا يوجد المشروط بلا شرط، كذلك لا توجد القدرة بلا فعل، ويجوز أن يوجد الشرط بلا مشروط. وهذه القدرة شرط التكليف مقدة عليه، وهي عبارة عندهم عن سلامة الآلات وصحة الأسباب، بناءً على أن من كان كذلك فإن الله تعالى يخلق له القدرة عند الفعل، كذلك أجرى الله سبحانه وتعالى العادة، ومن مشايخنا من ذهب إلى أن القدرة تتقدم حقيقة على الفعل. انتهى بحروفه. [19]
أقول: وقد توسع العارف المنلا إبراهيم الكوراني بأكثر من هذا في رسالته (مسلك الاعتدال إلى فهم آية خلق الأعمال) حيث قال: إذا تبين أنه لا موجود بالذات إلا الله، فلا وجود لغيره إلا به، فما سواه مفتقر إليه في وجوده وكمالاته التابعة لوجوده، فكما أنه لا وجود للممكن إلا بالله، فكذلك لا كمال وجوديًا إلا بالله، ومن كمالات العبد القدرةُ، فلا قدرة له إلا بالله كما قال تعالى: {لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39] ، ومن المعلوم أن كل وصف حاصل لشيء بغيره فهو في الحقيقة لذلك الغير لا للشيء، فلا قدرة حقيقية إلا لله. إلى أن قال: إذا تبين لك توحيد الصفات علمت أن تأثير قدرة العبد بإذن الله لا ينافي قَصر الخالقية لكل شيء على الله، لأن العبد لا فعل له إلا بقوة بالضرورة ولا قوة إلا بالله عقلًا ونقلًا