فهرس الكتاب
وذلك أنَّ الجملة غير المحتملة للصدق والكذب مقتضاها الطلب، والطلب واقع وقت التلفظ بها، وهذه الأفعال تدلّ على المُضي أو الاستقبال فلا يمكن لذلك أن تُجعل أخباراً لهذه الأفعال. فأما قوله:
ألا يا أُمَّ فارِعَ لا تلومي ... على شيء رفعتُ به سماعي
وكُوني بالمكارِم ذكريني ... ودِلّي دلَّ ماجدةٍ صناعِ
فجعل ذكريني في موضع خبر كوني، فإنَّ ذلك من وضع الأمر موضع الخبر، كأنه قال: تذكريني، فيكون قوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً} (مريم: 75) . أي فيمُدّ، ولذلك قلَّ مجيئه لأنَّ وضع الأمر موضع الخبر لا يكثر ولا يُقاس عليه.
واختلف في وقوع الماضي بغير قد موقع أخبار هذه الأفعال إذا كانت ماضية فمنهم من منعه في جميع هذه الأفعال إلا في ليس فإنه يجوز ذلك فيها باتفاق إجراءاً لها مجرى ما حَكَى سيبويه ليسَ خلقَ للَّهُ مِثلَهُ.
واحتج صاحب هذا المذهب بأنَّ الفعل الذي يقع خبراً إذا كان ماضياً لم يحتج معه إلى كان وأخواتها، لأنها إنّما دخلت على الجملة لتدلّ على الزمان فإذا كان الخبر يُعطي الزمانَ لم يُحتج إليها، وكان ذكرها فضلاً، ألا ترى أنك إذا قلت: زيدٌ قامَ، كان المفهوم منه ومن: كانَ زيدٌ قامَ واحداً، فإن جاء شيء من ذلك فهو عنده على إضمار قد، لأنها تقرّب الماضي من الحال، فإذا قلت: كانَ زيدٌ قد قامَ، فكأنّك قلت: كانَ زيدٌ يقومُ.