فهرس الكتاب
أعلمتُ زيداً عمراً منطلقاً، فتقول: أعلِمَ زَيدٌ عمراً منطلقاً، ولا يجوز خلاف ذلك. وذلك أنَّ الأول من باب أعلمتُ مفعول صحيح والاثنان الباقيان ليسا كذلك بل أصلهما المبتدأ والخبر، فلمّا اجتمع المفعول الصحيح مع غيره لم يُقم إلاّ المفعول الصحيح. وأما في باب كسوت فكلا المفعولين فيه مفعول صحيح وفي باب ظننت كلاهما غير صحيح لأن أصلهما المبتدأ والخبر. ولذلك تكافأ المفعولان في البابين أعني في باب كسوت وفي باب ظننت بخلاف باب أعلمت.
ومن الناس من أجاز إقامة كل واحد من المفعولات الثلاث. والذي ورد به السماع ويقتضيه القياس إنّما هو ما ذكرناه من إقامة الأول. وكانت إقامة الأول في البابين أولى لأنَّ مرتبة الأول أن يليَ الفاعل، فكان أولى أن يقام مقام الفاعل ما مرتبته أن يكون بعده.
فإن اجتمع للفعل المصدر وظرف الزمان والمكان والمجرور ولم يكن له مفعول به مسرَّح كنت بالخيار في إقامة أيّها شئت، إلا أنَّ إقامة المصدر إذا كان مختصاً في اللفظ أولى من إقامة الظرف والمجرور، قال الله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ نَفْخَةٌ وحِدَةٌ} (الحاقة: 13) . فأقام المصدر وهو نفخة. ولو جاء على إقامة المجرور لجاز فكنت تنصب النفخة.
والسبب في ذلك أنَّ المصدر يصل إليه الفعل بنفسه والمجرور يصل إليه الفعل بواسطة حرف الجر، وكذلك الظرف يصل إليه الفعل بتقدير في، فلما كان تَعدي الفعل إلى المصدر أقوى كانتِ إقامته أولى، وإنّما ضعفت إقامته إذا لم يكن مختصاً في اللفظ لأنّه لا بدَّ من تقدير حذف الصفة وحذف الصفة يقل.