فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 1159

وأما فعل المفعول هل هو مغيَّر من فعل الفاعل أو بناءٌ برأسه ففيه خلاف بين النحويين، فمنهم من ذهب إلى أنَّهُ مُغَيَّر. ومنهم من ذهب إلى أَنَّه بناء برأسه غير مغيَّر من شيء، واستدلَّ على ذلك بأنّه قد يوجد فعل مفعول لم يُبنَ في موضع الفاعل نحو: جُنَّ وغُمَّ، ولا يقال: جَنَّ اللَّهُ زيداً، ولا غَمَّ اللَّهُ الهِلالَ، فثبت بذلك عنده أنّه غير مغيّر من شيءٍ، إذ لم يُسمع من كلامهم ما يمكن أن يكون غُمَّ وجُنَّ مغيّراً منه.

وهذا الذي استدل به لا حجة فيه لأنه إذا قام الدليل على أنه مغيّر من فعل الفاعل على ما يُبيّن بعد، وجب أن يقدر غُمَّ وجُنَّ وأشباههما من فعل فاعل لم يُنطق به، والعرب كثيراً ما تستعمل الفرع وتهمل الأصول نحو كادَ زيدٌ يقومُ، ألا ترى أنَّ يقوم في موضع قائم، إلاَّ أنَّ العربَ لم تأتِ بالاسمِ إلا في الضرورة نحو قوله:

فأبتُ إلى فَهْمٍ وما كدتُ آيباً ... وكم مثلِها فارقتُها وهي تَصفِرُ

لولا الضرورة لكان: وما كدت أؤوبُ.

والذي ذهب إلى أنه مُغَيّر من فعل الفاعل هو الصحيح الرأي بدليلين، أحدهما: أَنَّه قد تقرر من كلامهم أنَّه متى اجتمع واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء: نحو طَوَيتُ طيّاً ولويتُ ليّاً، والأصل طَوْياً ولَوْياً، وهم مع ذلك يقولون: سُويرَ وبُويعَ، فلا يدغمون الواو في الياء فدلّ ذلك على أنهما مُغيّران من ساير وبايع، وأنَّ اجتماع الواو والياء عارض ولذلك لم يدغموا، إذ لو كانا غير مغيّرين لكان اجتماعهما لازماً فكان يجب الإدغام.

والآخر: إنّه قد تقرَّر من كلامهم أنَّه إذا أدّى قياسٌ إلى أَنَّ يجتمع في أول كلمة واوان هُمِزَت الأولى منهم على اللزوم فتقول في جمع واصل، أواصِل، وفي تصغيره أو يصِل، والأصل: وواصِلٌ و وُوَيْصِلٌ، لكنه أبدل من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت