فهرس الكتاب
كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة حتى إذا طمع أهلها فيها ظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة فكأنها لم تكن بالأمس وقال ابن المعتز:
كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى = نظير غرابا ذا قوادم جون
شبه ظلام الليل عند انفجار الصبح بغربان لها قوادم بيض ثم جعل قوة ظهور الضوء ودفعه الظلام كأنه يستعجله ثم راعى معنى الاستعجال في قوله نطير غرابا لأن الطائر إذا أزعج كان أسرع منه في الطيران إذا كان على اختيار منه، وقد يتصرف في التشبيه القريب بما يجعله غريبا ويخرجه عن الابتذال كذكر شرط ويسمى التشبيه المشروط كقوله:
عزماته مثل النجوم ثواقبا = لو لم يكن للثاقبات أفول
تشبيه العزم بالنجم مبتذل إلا أن اشتراط عدم الأفول أخرجه إلى الغرابة، ومثله قول الآخر
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا = لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت = والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وقوله:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا = إلا بوجه ليس فيه حياء
فتشبيه الوجه بالشمس مبتذل إلا أن حديث الحياء وما فيه من الدقة والخفاء أخرجه إلى الغرابة وقوله:
فوالله ما أدري أزهر خميلة = بطرسك أم در يلوح عن نحر
فإن كان زهرا فهو صنع سحابة = وإن كان درا فهو من لجة البحر
فإن تشبيه الحظ الحسن بالزهر والدر مبتذل لكن لما قيد الزهر بقوله خميلة وقوله يلوح على نحر ثم
[شرح عقود الجمان: 89]
ضم إليه التعليل بقوله صنع سحابة ولجة البحر خرج إلى الغرابة والحسن ومثله:
إن كان خطك درا = فليس ذلك نكرا
لأن كفك بحر = والبحر يقذف درا
وقال الآخر:
وملتفتات في النقاب كأنما = هززن سيوفا وانتضين خناجرا
سفرن بدورا وانتقين أهلة = ومسن غصونا والتفتن جا ذرا
فإن أخذ مع التشبيه معنى كل قيد من القيود زاد حسنا وكمالًا. ومما يخرج إلى الحسن الجمع بين عدة تشبيهات كقوله:
أنا من خده وعينيه والثغر = ومن ريقه البعيد المرام
بين ورد ونرجس وتلالى = اقحوان وبابلي المدام
[وباعتبار في الأداة يخزل = مؤكد وما عداه مرسل]
ينقسم التشبيه باعتبار أداته إلى مؤكد وهو ما حذفت فيه الأداة كقوله تعالى {وهي تمر مر السحاب} أي مثل مر السحاب وقول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى = ذهب الأصيل على لجين الماء
وإلى مرسل وهو ما لم تحذف فيه الأداة:
[وباعتبار غرض فان وفي = إفادة كأن يكون أعرفا