الصفحة 99 من 189

في الشجاعة. وخفى لا يدركه إلا الخواص بالنظر كقول فاطمة الأتمارية فيما رواه المبرد في الكامل أنها لما سئلت عن بنيها وهم عمارة وربيع وقيس وأنس أيهم أفضل؟ فقالت عمارة لا بل فلان ثم قالت ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها: أي هم متناسبون في الشرف كما أن الحلقة متناسبة الأجزاء في الصورة بحيث يمتنع تعيين بعضها طرفا وبعضها وسطا، ثم من الجمل ما لم يذكر فيه وصف المشبه ولا المشبه به أي الوصف المشعر بوجه التشبيه ومنه ما ذكر فيه وصفها ومنه ما ذكر فيه وصف المشبه به فقط فالأول نحو زيد أسد والثاني كقوله:

صدفت عنه فلم تصدف مواهبه = عني وعاوده ظني فلم يخب

كالغيث إن جئته وافاك ريقه = وإن ترحلت عنه لج في الطلب

وصف المشبه به وهو الغيث بأن يصيبك جئته أو ترحلت عنه والمشبه وهو الممدوح بالإعطاء حال الطلب وعدمه والإقبال والإعراض. والثالث كقولها هم كالحلقة المفرغة لا يدري أني طرفاها، أما المفصل فهو ما ذكر وصفه كقوله:

وثغره في صفاء = وأدمى كاللآلى

وربما يتسامح بذكر ما يستلزمه كقولهم للكلام الفصيح هو كالعسل في الحلاوة فإن الجامع لازمها وهو ميل الطبع. وينقسم أيضًا باعتباره إلى قريب مبتذل وبعيد غريب، فالأول ما ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق نظر لظهور وجهه في بادئ الرأي لكونه أمرًا إجماليًا فإن الجملة أسبق إلى نفس من التفصيل لأن الشيء يدرك إجمالًا أولًا، ثم إن أمعن النظر أدرك تفصيله

[شرح عقود الجمان: 88]

أو ككون التفصيل مع غلبة حضور المشبه به في الذهن مطلقًا لتكراره على الحس كتشبيه الشمس بالمرآة المجلوة في الاستذارة والاستنارة أو عند حضور المشبه لقرب المناسبة كتشبيه الجرة الصغيرة بالكوز في المقدار والشكل وإنما كان مبتذلًا مع أن فيه تفصيلًا لمعارضة التكرار والقرب للتفصيل، والبعيد ما لا ينتقل فيه إلا بعد فكرة ونظر لخفائه وذلك إما لكثرة التفصيل فيه كقوله:

* والشمس كالمرآة في كف الأشل * كما سبق تقريره أو لندور حضور المشبه به إما عند حضور المشبه لبعد المناسبة كما في تشبيه البنفسج بنار الكبريت أو مطلقًا لكونه وهميًا كقوله:

* ومسنونة زرق كأنياب أغوال * أو مركبا عقليا كما تقدم في مثل أو مركبا خياليا كما في تشبيه الشقيق بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد، أو قليل التكرار على الحس كقوله:

* والشمس كالمرآة في كف الأشل * فربما يقضي الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى مرآة في كف أشل فالغرابة فيه من جهة الندور ومن جهة كثرة التفصيل والمراد بالتفصيل أن ينظر في أكثر من وصف أي اثنين فصاعدا وله وجوه فاعرفها ومن وجهة أن تأخذ بعض الأوصاف وتدع بعضا كقوله في الرمح:

حملت ردينيا كأن سنانه = سنا لهب لم يتصل بدخان

فاعتبر في اللهب الشكل واللون واللمعان وترك الاتصال بالدخان ونفاه وأن تعتبر الجميع كما تقدم في تشبيه الثريا بالعنقود وكلما كان التركيب من أمور أكثر كان التشبيه أبعد من الذهن وأبلغ لغرابته ولأن نيل الشيء بعد طلبه ألذ كقوله تعالى {إنما مثل الحياة الدنيا إلى قوله كأن لم تغن بالأمس} فإنها عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها واغترار الناس بها بحال ماء نزل من السماء وأنبت أنواع العشب وزين بزخرفها وجه الأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت