فهرس الكتاب
مع قيد أن يكون مرسونا ومرسل واستعارة، فالمرسل ما علاقته المصححة له غير المشبهة والاستعارة ما علاقته المشابهة، فهي اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي لعلاقة المشابهة كأسد في قولنا رأيت أسدا يرمي، وكثيرًا ما نطلق الاستعارة على فعل المتكلم: أي استعمال اسم المشبه به في المشبه ويكون حينئذ بمعنى المصدر والطرفان حينئذ أي المشبه به والمشبه مستعار منه ومستعار له واللفظ أي لفظ المشبه به مستعار ومثال المرسل كاليد في النعمة والقدرة وأصلها الجارحة أطلقت عليهما لأن النعمة منها تصدر والقدرة بها تكون، ومن استعمالها في النعمة حديث الصحيحين أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدا: أي أكثركن عطاء، ومنه في القدرة كقوله يد الله فوق أيديهم، وكاستعمال الجزء في الكل إذا كان له مزيد اختصاص بالمعنى الذي قصد بالكل كإطلاق العين على الربيئة أي الرقيب وهي جزؤه ومثل له في الإيضاح بقوله تعالى: {قم الليل} فأطلق القيام وهو جزء الصلاة عليها لأنه أظهر أركانها، وعكسه أعني استعمال الكل في الجزء كالأصابع في الأنامل من قوله تعالى {يجعلون أصابعهم في آذانهم} - وكحديث مسلم «قسم الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» أي الفاتحة وتسمية الشيء باسم آلته نحو واجعل لي لسان صدق في الآخرين أي ثناء حسنا واللسان آلته أو سببه نحو رعينا الغيث أي النبات الذي سببه الغيث أو مسببه نحو أمطرت السماء نباتا أو حاله أي ما يحل في ذلك الشيء نحو: وأما اللذين أبيضت وجوههم ففي رحمة الله
[شرح عقود الجمان: 92]
أي في الجنة التي تحل فيها الرحمة أو محله أي ما يحل فيه ذلك الشيء نحو: فليدع ناديه أي أهل ناديه الحال فيه وهو المجلس أو مجاوره كإطلاق الراوية على المزادة وهي للبعير أو ما يئول إليه نحو - إني أراني أعصر خمرا - أي عصير يئول إلى الخمر أو ما كان عليه نحو: وآتوا اليتامى أموالهم أي الذين كانوا يتامى إذ لا يتم بعد البلوغ فهذه عشر علاقات وذكرت علاقات أخر ترجع إليها:
[والاستعارة فتحقيقية = وهي مجاز لغوي أثبتوا
إن حقق المعنى بها في الحس أو = عقلي ومن جعلها عقلا أبوا
من كذب تماز بالتأويل ثم = إن لم تشب وصفا فلا تأتي علم
واشرط لها قرينة فواحدا = كأسد يرمي ترى فصاعدا
كإن تعافوا العدل والإيمانا = فإن في أيماننا نيرانا]
الاستعارة لها أقسام باعتبارات وتقدم على ذلك أن الأصح أنها مجاز لغوي لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه ولا لأعم منهما فأسد في قولك رأيت أسدا يرمي موضوع للسبع لا للشجاع ولا لمعنى أعم منهما كالحيوان الجريء مثلا ليكون إطلاقه عليهما حقيقة كإطلاق الحيوان عليهما وهذا معلوم بالنقل عن أئمة اللغة قطعا فإطلاقه على الشجاع إطلاق على غير ما وضع له مع قرينة مانعة عن إرادة ما وضع له، وقيل مجاز عقلي بمعنى أن التصرف فيها في أمر عقلي لا لغوي لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد إدعاء دخوله في جنس المشبه به فكان استعمالها فيما وضعت له فتكون حقيقة لغوية ليس فيها غير نقل الاسم وحده وليس نقل الاسم المجرّد استعارة لأنه لا بلاغة فيه بدليل الأعلام المنقولة فلم يبق إلا أن تكون مجازًا عقليًا وردّ بأن هذا الادعاء لا يقتضي كونها مستعملة فيما وضعت له للعلم بأن أسدا في قولنا رأيت أسدا يرمي مستعمل في الرجل الشجاع والموضوع له هو السبع فقولي وهي مجاز إلخ. معترض وقولي إن حقق إلخ معترض بينه وبين قولي من جعلها عقلا أبوا. ثم إن الاستعارة قد تقيد بالتحقيقية، وهي ما تحقق معناها حسا أو عقلا، فالأول كقولك رأيت أسدا يرمي فإن أسدا هنا تحقيقية لأن معناه وهو الرجل الشجاع أمر محقق حسي، والثاني نحو أبديت نورا أي حجة فإن