الصفحة 112 من 189

فساذجة كالثاني. وخفية، وهي ما يتوقف الانتقال منها على فكر وتأمل كقولهم كناية عن البليد عريض الفقا فإن عرض القفا مما يستدل به على البلادة والبلاهة فهو ملزوم لها بحسب الاعتقاد لكن الانتقال منه فيه نوع خفاء. الضرب الثاني ما ينتقل فيها بواسطة وهي بعيدة كقولهم كثير الرماد كناية عن الكرم فإنه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة الوقود للحطب تحت القدر ومن كثرة الوقود إلى كثرة الطبخ ومن كثرة الطبخ إلى كثرة الأكلة ومن كثرة الأكلة إلى كثرة الضيفان ومنها إلى المقصود وهو الكرم.

القسم الثالث: ما يطلب به نسبة أي إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه كقولهم المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه لم يصرح بثبوت المجد والكرم له بأن يقول هو مختص بهما أو نحوه بل كني عن ذلك بكونهما بين برديه أو ثوبيه وجعلهما فيما يختص به ويشتمل عليه فإن الأمر إذا أثبت فيما يختص بالرجل ويحويه من ثوب ومكان فقد أثبت له وقد يحذف الموصوف في هذين القسمين الثاني والثالث كقولك في عرض من يؤذي المسلمين بيده أو بيده ولسانه أي يفحش «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» فإنه كناية عن نفي صفة الإسلام عن المؤذي وهو غير مذكور في الكلام، وأما الأول وهو ما يطلب بالكناية فيه نفس الصفة وتكون النسبة مصرحا بها فالموصوف فيها مذكور لا محالة وبقي للكناية قسم رابع لم يتعرض له في التلخيص وذكرته من زيادتي وهو ما يكون المطلوب بها صفة ونسبة معا كقولنا كثر الرماد في ساحة زيد كناية عن نسبة الضيافة إليه وقيل في الاعتذار عن عدم عده أنه ليس بكناية واحدة بل كنايتان. إحداهما المطلوب بها نفس الصفة وهي كثرة الرماد كناية عن المضيافية. والثانية المطلوب بها نسبة المضيافية إلى زيد وهي جعلها في ساحته ليفيد إثباتها له وهذا معنى قولي * فهو كنايتان فيه وقعا * واستنبط الزمخشري كناية خامسة وهي أن تعمد إلى جملة معناها على خلاف الظاهر فتأخذ الخلاصة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز فتعبر بها عن المقصود كما تقول في نحو الرحمن على العرش استوى إنه كناية عن الملك فإن الاستواء على السرير لا يحصل إلا مع الملك فجعل كناية عنه وكذا قوله تعالى {والأرض جميعا قضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} كناية عن تصور عظمته وكنه جلاله:

[ويوسف قسم ذا الباب إلى = رمز وتعريض وتلويح تلا

إشارة إيماء فالذي حذف = موصوفه مناسب تعريضا عرف

ووجهه التنويه والتلطف = أو يترك اإلاظ أو يستعطف

ومنه ما يراد معناه معه = ومنه لا حرره من جمعه

إن كثرت وسائط فوصفا = ما وحا وإن تقل مع خفا

رمز وإلا فالأخيران وقد = مجازا التعريض في بعض ورد

[شرح عقود الجمان: 102]

كقوله آذيتني ستعرف = يريد من لا بالخطاب يوصف

وإن ترد بذاك كلا منهما = كناية واشرط دليلا لهما]

قال السكاكي: الكناية تتفاوت إلى تعريض وتلويح ورمز وإشارة وإيماء. فالتعريض ما سبق آنفا لأجل موصوف غير مذكور كما تقدم في مثال المؤذي لأنه أمال الكلام إلى جانب مشيرا به إلى آخر يقال نظر إليه بعرض وجهه أي جانبه قال الطيبي وذلك يفعل إما لتنويه جانب الموصوف نحو أمر المجلس السامي نافذ ومنه ورفع بعضهم درجات أي محمد صلى الله عليه وسلم إعلاء لقدره لأنه العلم الذي لا يشتبه، وإما لتلطف به كقول الخاطب عسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة أو استعطاف كقول المحتاج جئت لأسلم عليك وأنظر إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت