الصفحة 116 من 189

ويلحق بالطباق ما كان راجعًا للمضادة بتأويل كالتسبب في قوله تعالى: {أشداء على الكفار رحماء بينهم} طوبق الأشداء والرحماء لأن الرحمة متسببة عن اللين الذي هو ضد الشدة وكذا قوله تعالى: {لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} فإن الابتغاء لا يضاد السكون لكنه يستلزم الحركة التي هي ضده ونبهت من زيادتي على أن بعضهم شرط في الطباق توافق اللفظين فلا يجيء في اسم مع فعل ولا عكسه، ولا في حقيقة ومجاز فذلك يخص باسم التكافؤ على أن بعضهم ذكر أن المطابقة مجردة ليس تحتها كبير أمر فإن قصارى ذلك أن يطابق الضد بالضد وهو شيء سهل اللهم إلا أن يترشح بنوع من أنواع البديع يشاركه في البهجة والرونق كقوله تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} انضم إلى المطابقة العكس والتكميل.

وكقول امرئ القيس:

مكر مفر مقبل مدبر معا = كجلمود صخر حطه السيل من عل

انضم إليها التكميل في قوله معا المقصود منه قرب الحركة في حالتي الإقبال والإدبار وحالتي الكر والفر والاستطراد بالتشبيه وكقول أبي تمام:

بيض الصفائح لأسود الصحائف في = متونهن جلاء الشك والريب

انضم إليها الجناس وقول الأرجاني:

تعلق بين الهجر والوصل مهجتي = فلا أربى في الحب أقضي ولا نحيي

انضم إليها اللف والنشر، وقول الفاضل:

دام صاحي وداده أبد الدهر = حبيبا لسكرى النشوان

انضم إليها الاستعارة وقول ابن خطيب داريا:

[شرح عقود الجمان: 106]

يا معشر الأصحاب قد عن لي = معنى يزيل الحمق فاستظرفوه

لا تحضروا إلا بأخفافكم = ومن تثاقل منكم خففوه

انضم إليها التورية. ولهم طباق الترديد كما ذكرته من زيادتي. وهو أن ترد أواخر الكلم المطابق على أوله، فإن خلا من الطباق فهو رد العجز على الصدر مثاله قول الأعشى:

لا يرفع الناس ما أوهوا وإن جهدوا = طول الحياة ولا يوهون ما رفعوا

وفي الأحاديث من ذلك كثير. ومن الطباق ما يسمى التدبيح، وقد ذكرته من زيادتي وإن مثل في التلخيص لأحد قسميه، وهو أن يؤتي في المدح أو غيره بألوان لقصد الكناية أو التورية لما بين اللونين من التقابل مثال تدبيج الكناية قول أبي تمام:

تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى = لها الليل إلا وهي من سندس خضر

ذكر الحمرة والخضرة وكني بالأول عن القتل وبالثاني عن الجنة وحديث «ما من عبد يموت فيترك صفراء أو بيضاء إلا جعل الله له بكل قيراط منها صفحة من نار» رواه أحمد، ومثال الثاني قول الحريري: فمذا غبر العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، وأبيض فودى الأسود، حتى ربى لي العدو الأزرق، فيا حبذا الموت الأحمر، فالمعنى القريب للمحبوب الأصفر هو الإنسان الذي به صفرة والبعيد هو الذهب وهو المراد فيكون تورية وقريب منه قولي في إحدى مقاماتي: وأقمنا ذلك اليوم الأبيض، تمرح في الروح الأخضر، ونسبح في الماء الأسمر، على رغم العدو الأزرق، إلى أن غرب الكوكب الأصفر، وأقبل الشفق الأحمر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت