فهرس الكتاب
تعالى: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر والخبرة تناسب ما يدرك. وقد حكى أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم ولم يكن يقرأ القرآن فقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا، الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه.
تنبيه: لو ذكر الشيء مع ما لايناسبه كان عيبًا وإن كان جائزًا كقول أبي نواس.
وقد حلفت يمينا = مبرورة لا تكذب = برب زمزم والحو = ض والصفا والمحصب
قال أبو جعفر الأندلس عابوا عليه ذكر الحوض مع زمزم والصفا والمحصب فإنه غير مناسب وإنما يناسب ذكر الحوض مع الميزان والصراط وشبههما من أحوال القيامة، قلت وكأنه أراد حوض زمزم الذي يسقى منه ولو قال بدله والبيت لسلم. قال الأندلسي وكذا لو جاء بمتناسبين فأفرد أحدهما وثنى الآخر أو جمعه فهو عيب كقوله.
ألا يا ابن اللذين فنوا وماتوا = أما والله ما ماتوا لتبقى
ومالك فاعلمن فيها بقاء = إذا استكملت آجالا ورزقا
قال فجمع الأجل وأفرد الرزق وهما متناسبان لا يوجد أحدهما بدون الآخر وكان الأولى خلافه.
قلت المختار أن ذلك ليس بعيب وقد تقدم عقب الالتفات من زوائدي أن تفنن الخطاب بذلك من البلاغة وقد ورد من ذلك في القرآن كثير قال تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} فأفرد السمع وجمع الآخرين وقال تعالى: {يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل}
[ومنه الارصاد وذا أن تجعلا = من قبل عجز البيت ما دل على
تمامه إذا الروىّ عرفا = والبعض بالتسهيم هذا وصفا
[شرح عقود الجمان: 109]
قلت بشرط أن يكون اللفظ دل = فإن يك المعنى فتوشيح أجل]
الإرصاد لغة مصدر أرصدت الشيء إذا أعددته واصطلاحًا أن يكون فيما تقدم من البيت أو النثر دليل على آخره إذا عرف الروىّ فكأنه أرصد الكلام الأول لمعرفة آخره ومنهم من يسميه التسهيم من سهمت الشيء أي صوبته كأنه صوب الكلام الأول لقصد الدلالة على الآخر، وهو قسمان: أحدهما أن تكون دلالته لفظية نحو - وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا - الآية فدل قوله فاختلفوا مع قوله لقضى على أن الفاصلة يختلفون وكذا قوله جل وعلا - وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون - وقول زهير:
سئمت تكالي فالحياة ومن يعش = ثمانين عاما لا أبالك يسأم
الثاني: أن تكون معنوية كقوله تعالى {إن الله اصطفى آدم} الآية فإن الاصطفاء يدل على أن الفاصلة العالمين لا باللفظ لأن لفظ العالمين غير لفظ اصطفى ولكن بالمعنى لأنه يعلم من جهته أن من لوازم اصطفين شيء أن يكون مختارًا على جنسه وجنس هؤلاء المصطفين العالمون، وأوردوا ههنا الحديث أنه لما نزل ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين الآيات قال بعض الصحابة تبارك الله أحسن الخالقين قبل أن يسمعها فقال النبي صلى الله عليه وسلم بها ختمت وقد روى أن قائل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه وهي معدودة من موافقاته أخرجه ابن أبي حاتم وروى اسحق بن راهويه في مسنده والطبراني في معجمه من حديث زيد بن ثابت أنه معاذ بن جبل ثم نبهت من زيادتي على التوشيح وقد اختلف فيه فقيل هو القسم الثاني من التسهيم وهو ما كانت دلالته معنوية. وقال الشيخ بهاء الدين وهو ما كان فيه اللفظ الدال على القافية أول البيت قال في