فهرس الكتاب
قلت لقد قصر في بيانها = فليس في البديع مثل شأنها
وكل ما يلازم لا يقترن = لا لقريب أو بعيد قد زكن
فهي التي تجردت وألحقا = ما اللازمان استويا واتفقا
وسم ما يلازم الذي دنا = مرشحا وضده مبينا
كلاهما قبل أو بعد ذكر = ثم المهيأة فما لا تستقر
إلا بلفظ قبلها أو بعدها = أو لفظتين فقد لفظ فقدها]
التورية، ويقال لها الإيهام بالتحتية والتخييل فن عظيم وباب منيع، وهي والاستخدام أفضل أنواع البديع كما نبهت عليه في النصف الثاني من البيت الأول وهو من زيادتي وثم فيه للترتيب الذكرى لا المعنوي لأن الأندلسي صرح بأن الاستخدام أجل من التورية وأعذب وألطف وإن كان المختار عندي أنهما سيان، وأصل التورية مصدر وريت الخبر إذا سترته وأظهرت غيره كأنه مأخوذ من وراء الإنسان كأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر، وحدها أن يذكر لفظ له معنيان وهو المراد بقولي لفظ شركة والمراد الشركة المعنوية أعم من أن يكونا حقيقتين أو أحدهما حقيقة والآخر مجازًا لا الشركة الأصولية فإن ذلك لا يكون في المجاز ويكون أحد المعنيين قريبًا أي ظاهرًا بحسب العرف والآخر بعيدًا ويقصد البعيد ويوري عنه بالقريب فيتوهمه السامع من أول وهلة ولذلك سمي أيضًا بالايهام ثم تارة لا يذكر فيها شيء من لوازم الموري به وهو القريب فتسمى مجردة وتارة يذكر فتسمى مرشحة هذا ما ذكره صاحب التلخيص ولعمري لقد قصر في شأن
[شرح عقود الجمان: 112]
التورية، وما أنصفها حيث أخل بذكر أقسامها وهي أعظم أنواع هذا الفن وأجله قال الزمخشري: ولا ترى بابا في البيان أدق ولا ألطف من التورية ولا أنفع ولا أعون على تأويل المتشابهات في كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك قوله تعالى - الرحمن على العرش استوى - فإن الاستواء على معنيين: الاستقرار في المكان وهو المعنى القريب الموري به الذي هو غير مقصود لتنزيه الحق تعالى عنه. والثاني الاستيلاء والملك وهو المعنى البعيد المقصود الذي ورى عنه بالقريب المذكور انتهى، ومن ذلك قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه في الهجرة وقد سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم من هذا؟ فقال رجل يهديني إلى السبيل أراد يهديني إلى الإسلام فورى عنه بهادي الطريق وهو الدليل في السفر. قال ابن حجة وكانت خواطر المتقدمين عن التورية بمعزل وأفكارهم مع صحتها ما خيمت عليها بمنزل وربما وقعت لهم عفوا من غير قصد وأول من كشف غطاءها وجلا ظلمة إشكالها المتنبي وتلاه أبو العلاء فأتى بها على عقادة وتكلف، ثم القاضي الفاضل وهو الذي كشف بعد طول التحجب ستر حجابها ثم تداولها الناس بعده فسموا إلى أفقها وأطلعوا شموسها وقسموا التورية على أربعة أقسام: مجردة ومرشحة ومبينة ومهيأة، وكل من هذه الأربعة قسمان فالمجردة هي التي لم يذكر فيها شيء من لوازم القريب الموري به ولا البعيد المورى عنه كالآية السابقة وقول أبي بكر السابق، وقول إبراهيم عليه السلام لما سأله الجبار عن زوجته هذه أختي أراد أخوة الإسلام وقول ابن عبد الظاهر يصف واديا
وبطحاء من واد يروقك حسنه = ولا سيما إن جاد غيث مبكر
به الفضل يبدو والربيع وكم غدا = به العيش يحي وهو لا شك جعفر
قالتورية وقعت في الفضل والربيع ويحيى وجعفر والاشتراك في كل من الأربعة ظاهر، وقول ابن زبلاق وقد أهدى لبدر الدين لؤلؤ حملا.
يا أيها المولى الذي = ببابه كل أمل = لو لم تكن بدرا لما = أهدى لك الثور الحمل