فهرس الكتاب
والثاني كقول ابن سناء الملك:
أما والله لولا خوف سخطك = لهان علي ما ألقى برهطك
ملكت الخافقين فتهت عجبا = وليس هما سوى قلبي وقرطك
فالخافقين يحتمل القرط والقلب وهو البعيد وقد بينه بعد والمشرق والمغرب وهو المورى به. وأما المهيأة فما لا تقع التورية فيه ولا تتهيأ إلا بلفظ قبلها أو بعدها أو تكون التورية في لفظين لولا كل منهما لما تهيأت التورية وهو معنى قولي فقد كل فقدها: أي يوجب فقدها، فالأول وهو ما يتهيأ لفظ قبل كقول ابن سناء الملك:
وسيرك فينا سيرة عمرية = فروحت عن قلبي وفرجت عن كربي
وأظهرت فينا من سماك سنة = فأظهرت ذاك الفرض من ذلك الندب
فالفرض والندب معناهما القريب الحكمان الشرعيان والبعيد الفرض بمعنى العطاء والندب الرجل السريع في قضاء الحوائج ولولا ذكر السنة لما تهيأت التورية ولا فهم الحكمان. والثاني وهو ما تتهيأ بلفظ بعد كقول علي رضي الله عنه في الأشعث بن قيس: إنه كان يحوك الشمال باليمين فالشمال معناها القريب ضد اليمين والمورى عنه جمع شملة ولولا ذكر اليمين بعده ما فهم السامع معنى اليد
[شرح عقود الجمان: 114]
الذي به التورية وقول الشاعر:
لولا التطير بالخلاف وأنهم = قالوا مريض لا يعود مريضا
لقضيت نحبا في جنابك خدمة = لأكون مندوبا قضى مفروضا
فالمندوب معناه المورى عنه الميت الذي يبكي عليه والمورى به الحكم الشرعي ولولا ذكر المفروض بعده لما تهيأت التورية والثالث وهو ما لا يقع إلا بلفظين لولا كل منهما لم تتهيأ كقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي لما تزوج سهيل رجل في غاية القبح ثريا بنت عبد الله بن الحرث بن أمية وهي في غاية الجمال:
أيها المنكح الثريا سهيلا = عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا إذا ما استقلت = وسهيل إذا استقل يماني
فالمعنى المورى به الكوكبان والمورى عنه الزوجان ولولا ذكر الثريا الذي هو النجم لم يتنبه السامع لسهيل وكل منهما صالح للتورية.
تنبيهات: الأول قال أهل الفن ليس كل لفظ مشترك بين معنيين تتصور فيه التورية كاللغات التي تدور على الألسنة وإنما تتصور حيث يكون المعنيان ظاهرين إلا أن أحدهما أسبق إلى الفهم من الآخر وهذا يختلف باختلاف الأماكن والعرف وبحسب اللوازم المبينة والمرشحة.
الثاني: قال الشيخ بهاء الدين التورية المجردة يدخل فيها الاستعارة المجردة والمطلقة، والتورية المرشحة نوع من الاستعارة المرشحة في الأصل، والفرق بينهما أن مع الاستعارة قرينة تصرف اللفظ لها وتجعل المعنى البعيد قريبًا والتورية ليست كذلك والغالب عليها الترشيح بما يبعد إرادة المجاز.
الثالث: الفرق بين اللفظ الذي تتهيأ به التورية والذي تترشح به والذي تتبين به أن الأول لو لم يذكر لم تتهيأ التورية أصلًا والآخران مقربان للتورية ولو لم يذكرا كانت موجودة.
الرابع: قال الأندلسي المجردة أعم من المهيأة لأنه كلما وجدت المهيأة وجدت المجردة ولا عكس لأن المجردة تكون في لفظ واحد فإن تعلق بغيره فمهيأة أيضًا وإلا فلا.
الخامس: المراد باللازم شيء يختص بأحد المعنيين وشرطه أن لا يكون لفظه مشتركا.