الصفحة 125 من 189

السادس: الفرق بين التورية واللغز أن لفظ التورية يكون المعنى المراد منه مدلولًا عليه باللفظ حقيقة كان أو مجازًا والمعنى المراد من اللغز لا يدل عليه اللفظ بحقيقة ولا مجاز ولا يكون من عوارض ذلك اللفظ إنما هو أمر مدرك بالحدث والتخمين ولذلك تتفاوت الأذهان في استخراجه.

السابع: حكى بعضهم في التورية قولا نادرًا فقال: هي أن يعلق المتكلم لفظة من الكلام بمعنى ثم يرددها بعينها ويعلقها بمعنى آخر نحو: مثل ما أوتي رسل الله ألله أعلم حيث يجعل رسالته فجاء بلفظ الجلالة مضافًا إليه ثم جاء به مبتدأ مثل قوله أحق أن تقوم فيه فيه رجال الأول متعلق بتقوم والثاني خبر رجال كذا أورده الأندلسي نقلًا عن ابن النقيب في تفسيره ونظيره من الحديث من تمام الصلاة الصلاة في النعلين رواه الطبراني. قلت: الظاهر أن هذا القول تصحف على ناقله فإن هذا هو النوع المسمى بالترديد السابق في الإطناب فتحرف على الناقل الترديد بالتورية ثم رأيت في المصباح لابن مالك التمثيل بالآية الأولى للترديد فصح ما قلته.

[واعدد هنا الترشيح والتوهيما = وافرق بذهن قد حوى تقويما]

هذا البيت أيضًا من زيادتي وفيه نوعان الترشيح والتوهيم ولهما مناسبة بالتورية، والترشيح أن

[شرح عقود الجمان: 115]

يأتي المتكلم بكلمة لا تصلح لضرب من المحاسن حتى يؤتي بلفظة ترشحها وتؤهلها لذلك، وذلك شامل لترشيح التورية والاستعارة والتشبيه والطباق وغير ذلك ولذلك أفردوه بنوع كقوله:

وإذا رجوت المستحيل فإنما = تبني الرجاء على شفير هار

فلولا الشفير لم يكن في الرجاء تورية برجا البئر وقوله:

وخقوق قلب لو رأيت لهيبه = يا جنتي لرأيت فيه جهنما

فقوله يا جنتي رشحت لفظة جهنم للمطابقة، وأما التوهم فذكر لفظ يوهم خلاف المقصود وهو أيضًا شامل لتوهيم التورية والطباق وغيرهما، فأما إيهام التورية فكقول الصفي:

حتى إذا صدروا والخيل صائمة = من بعد ما صلت الأسياف في القمم

فذكر صيام الخيل يوهم أن صلت من الصلاة والمراد الصليل وهو صوت الحديد ومنه قوله تعالى: الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان فذكر النجم توهيم لأنه يوهم أن المراد نجم السماء والمراد نجم النبات قلت ومنه حديث الديلمي مثل الناظر في النجوم كالناظر في عين الشمس كلما اشتد نظره فيها ضعف بصره في هذا الحديث ثلاث توهيمات في الناظر وفي النجوم وفي بصره فتأمل. وأما توهيم الطباق فكقوله * تردى ثياب الموت حمرا * فإنه أوهم الطباق بين الأحمر والأخضر ولا مطابقة إذ لا تضاد بينهما قلت ومثاله من الحديث حديث مسلم من لطم حر وجه عبده فإن كفارته عتقه فذكر حر توهيم للطباق مع عبده وليس ضده، ومنها أن يأتي المتكلم بكلمة توهم بما بعدها أنه أراد تصحيفها ومراده خلاف ما يتوهمه السامع كقوله:

وإن الفئام الذي حوله = لتحسد أرجلها الأرؤس

فلفظة الأرجل توهم السامع أن لفظة الفئام بالقاف ومراده بالفاء وهي الجماعات الكثيرة:

[ومنه الاستخدام أن يرادا = بكلمة بعض الذي أفادا

ثم بمضمر لها البواقي = أو أول بمضمر والباقي

بآخر كجل عينا أحمد = أخجلها وهابها المعتمد]

الاستخدام استفعال وهو كما قال السكاكي وأتباعه إطلاق لفظ مشترك بين معنيين مراد به أحدهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت