الصفحة 130 من 189

فللخامل العليا وللمعدم الغني = وللمذنب العتبي وللخائف الأمن

وقد يطلق التقسيم على أمرين، وأحدهما أن تستوفى أقسام الشيء بالذكر كقوله تعالى - يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور - الآية إذ لا يخلو حال المتزوج من أحد هذه الأقسام الأربعة إما أن يكون له إناث أو ذكور أو هما أو لا واحد منهما وقوله تعالى - له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك - استوفى أقسام الزمان وقوله تعالى - يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم استوفى - جميع الهيآت الممكنات وقوله صلى الله عليه وسلم «ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت» قال الأندلسي ومنه ما يحكى أن بعض وقود العرب قدم على عمر بن عبد العزيز فتكلم منهم شاب فقال يا أمير المؤمنين، أصابتنا سنون سنة أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم وسنة أكلت العظم وفي أيديكم فضول مال، فإن كانت لنا فعلام تمنعونها عنا وإن كانت لله ففرقوها على عباده وإن كانت لكم

[شرح عقود الجمان: 120]

فتصدقوا بها علينا فإن الله يجزي المتصدقين. فقال عمر ما ترك لنا الأعرابي في واحدة عذرا.

قلت: هذه الحكاية أخرجها البيهقي بإسناده في شعب الإيمان وفي ألفاظها مخالفة يسيرة لما هنا وفيها أن الخليفة مروان لا عمر وأنه قال لو أن السؤال يسألون هكذا ما رددنا أحدًا قال ابن الأثير ولا يريد أهل البيان بالتقسيم القسمة العقلية كما يذهب إليه المتكلمون لأنها تقتضي أشياء مستحيلة بل أرادوا ما يقتضيه المعنى مما يمكن وجوده.

الثاني: أن تذكر أحوال الشيء مضافًا إليه كل ما يليق به كقوله:

ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا = كثير إذ شدوا قليل إذا عدوا

وقوله:

ثمانية لم تفترق مذ جمعتها = فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر

ضميرك والتقوى وكفك والندى = ولفظك والمعنى وسيفك والنصر

[ومنه تجريد بأن ينزع من = ذي صفة آخر مثله ركن

مبالغًا في أنه فيها كمل = كمن فلان لي صديق وأجل

وإن سألت أحمدا لتسألن = بحرا به مندفقا ومنه أن

يخاطب الإنسان نفسه وقد = نصحا وتوبيخا وتعريضا قصد]

التجريد قسمان: أحدهما أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله مبالغة في كمالها نحو لي من فلان صديق حميم جرد من الرجل الصديق آخر مثله متصفًا بصفة الصداقة ونحو مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة جردوا من الرجل الكريم آخر مثله متصفًا بصفة البركة وعطفوه عليه كأنه غيره وهو هو. قلت: ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا» رواه النسائي وابن ماجه من حديث عائشة، وهذا القسم تارة يجيء على وجه الكناية كالمثال الأول ويكون التجريد فيه بمن قال الشيخ بهاء الدين والباء وفي، وتارة على وجه التشبيه ويكون بالباء وبمن وبفي كقولك إن سألت أحمد لتسألن به البحر جرد منه البحر تشبيهًا له به وقوله:

وبي ظبية أدماء ناعمة الصبا = تغار الظباء الغيد من لفتاتها

أعانق غصن البان من لين قدها = وأجني جني الورد من وجناتها

جرد من قدها غصنا ومن وجنتها وردا بعد التشبيه وتقول رأيت من فلان البحر، وتارة يخلو منهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت