فهرس الكتاب
ادعى أن جاره لا يميل إلى جانب إلا وهو يرسل الكرامة والعطاء على أثره وهذا ممكن عقلا ممتنع عادة وهو معنى قولي أوفى العقل قد، وقد اسم فعل بمعنى حسب كقط وهذان القسمان مقبولان. وأما إلغاؤه فالمقبول منه أصناف، منها ما أدخل عليه ما يقر به إلى الصحة كلفظ يكاد في قوله تعالى: يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار واو ولولا ونحوهما كقوله:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم = قوم بأولهم لو مجدهم قعدوا
وقوله:
ولو أن ما بي من جوى وصبابة = على جمل لم يدخل النار كافر
أي لنحل حتى يدخل في سم الخياط ولفظة إن كما في قوله صلى الله عليه وسلم «كل مسكر حرام وإن كان الماء القراح» رواه ابن منيع في مسنده عن أبي سعيد قال إسكار الماء الخالص الذي لا يشوبه شيء محال صححه اقترانه بإن التي هي لفرض المحال وقوعه، ومنها ما تضمن نوعا حسنا من التخييل كقول أبي الطيب:
عقدت سنابكها عليه عثيرا = لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا
العثير الغبار والعنق نوع من السير، ادعى أن الغبار من سنابك الخيل اجتمع فوق رءوسها متراكما متكاثفًا بحيث صار أرضا يمكن أن تسير عليه وهذا ممتنع عادة وعقلًا لكنه تخييل حسن وقول القاضي الأرجاني:
[شرح عقود الجمان: 122]
يخيل لي أن سمر الشهب في الدجى = وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
أي يوقع في خيالي أن الشهب محكمة بالمسامير لا تزول عن مكانها وأن أجفان عيني قد شدت بأهدابها إلى الشهب لطول سهري وعدم انطباقها وهذا ممتنع عقلًا وعادة لكنه تخييل حسن ولفظ يخيل مما يقربه إلى الصحة، ومنها أن يخرج مخرج الهزل والخلاعة كقوله:
أسكر بالأمس إن عزمت على الشر = ب غدا إن ذا من العجب
ومما لا يقبل قول أبي نواس:
وأخفت أهل أهل الشرك حتى إنه = لتخافك النطف التي لم تخلق
وقوله:
كفى بجسمي نحولا أنني رجل = لولا مخاطبتي إياك لم ترني
وقول الآخر:
أنحني الحب فلو زج بي = في مقلة الوسنان لم ينتبه
ويحكى: أن العتابي لقى أبا نواس فقال له أما تستحي من الله حيث قالت وأخفت أهل الشرك البيت؟ فقال وأنت أما تستحي من الله حيث قلت:
ما زلت في غمرات الموت مطرحا = يضيق عني وسيع الرأي من حيلي
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي = حتى اختاست حياتي من يدي أجلي
وقد نبهت من زيادتي على أن في أصل قبول المبالغة خلافًا وأن بعضهم لا يرى لها فضلًا لأنها في الصناعة كالاستراحة من الشاعر إذا أعياه إيراد المعاني فأخرجها عن حد الكلام الممكن إلى حد الامتناع والمبالغة، وبعضهم قصر الفضل عليها ونسب المحاسن كلها إليها محتجًا بأن أحسن الشعر كذبه: أي ما كان