فهرس الكتاب
علق الدعوى وهي إثبات شيء من العيب بالمحال والمتعلق بالمحال محال فيتحقق عدم العيب. والثاني في الأصل الاستثناء الاتصال فذكر أداته قبل المستثنى يوهم إخراج شيء مما قبلها فإذا وليها صفة مدح وتحول من الاتصال إلى الانقطاع جاء التأكيد بالمدح على المدح والإشعار بأنه لم يجد صفة ذم يستثنيها فاضطر إلى استثناء صفة مدح، وأما الثاني فإنما يفيد التأكيد من هذا الوجه فقط. الثالث أن يؤتي بمستثنى فيه معنى المدح وعامله فيه معنى ذم نحو - وما تنقم منا إلا أن آمنا - أي ما تعيب منا إلا أجل المناقب والمفاخر وهو الإيمان فهو يفيد التأكيد من الوجهين الأولين والاستدراك في هذه الأنواع كالاستثناء كقوله:
هو البدر إلا أنه البحر زاخر = سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
وأما تأكيد الذم بما يشبه المد فضربان كالضربين الأولين من عكسه. الأول أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها في صفة المدح نحو فلان لا خير فيه إلا أنه يسيء إلى من أحسن إليه. والثاني أن يثبت لشيء صفة ذم ويعقب بأداة استثناء تليها صفة ذم أخرى نحو فلان فاسق إلا أنه جاهل، ومن ألطف ما وقع فيه قول القائل:
هو الكلب إلا أنه فيه ملالة = وسوء مراعاة وما ذاك في الكلب
والأول أبلغ كما تقدم والاستدراك فيه كالاستثناء. وزاد ابن جابر الأعمى ضربا ثالثا، وهو أن تأتي بصفة ذم مثبتة ثم بصفة بعدها توهم رفع صفة الذم ثم تعلق بها ما يبين أنها ذم فتكون ذما بعد ذم، قال وهو أبلغ من الأولين لما فيه من التهكم والاستهزاء ومثاله أن تقول رأيت عنق زيد عاطلًا فحليته بالصفع أثبت أولا صفة ذم وهي كونه عاطلًا ثم أثبت تحليته فأوهمت رفعه فلما قلت بالصفع تبين أن هذه التحلية ذم آخر وأنشد فيه نظما:
يا زاعما أنك لي ناصح = إني بهذا غير مغرور
لما بدا قبح الذي قلته = حسنت ذاك القول بالزور
[ومنه الاستتباع مدح باللذا = يستتبع المدح بشيء غير ذا
وإن تضمن فيه معنى وهو لم = يسق له فذاك إدماج أعم
قلت الأصح الأول الوصف بنص = يفهم وصفا للذي الأول خص]
من أنواع البديع الاستتباع والإدماج. فالأول هو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر كقوله:
نهبت من الأعمار ما لو حويته = لهنئت الدنيا بأنك خالد
مدحه بالنهاية في الشجاعة على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها وأنه نهب الأعمار دون الأموال ولم يكن ظالما في قتلهم. والثاني وأصله لف الشيء في ثوب وبعضهم سماه بالتعليق وقوم بالتضعيف أن تضمن كلاما سيق لمعنى معنى آخر فهو أعم من الاستتباع لأن ذلك خاص بالمدح كقوله:
أقلب فيه أجفاني كأني = أعدّ بها على الدهر الذنوبا
[شرح عقود الجمان: 126]
ضمن وصف الليل بالطول شكاية الدهر وقول الآخر:
أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا = وأسعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمها = ودع أمرنا إن الأهم المقدم
ضمن التهنئة شكوى الدهر وقوله: