الصفحة 137 من 189

ولا بد لي من جهلة في وصاله = فمن لي بخل أودع الحلم عنده

أدمج الفخر في الغزل بجعل حلمه لا يفارقه ألبتة ولا ترغب نفسه عنه وإنما عزم على أن يودعه إذا كان لا بد له من وصل هذا المحبوب لأن الودائع تستعاد ثم استفهم عن الخل الصالح لذلك فيكون مفهومه بقاء حلمه لعدم من يصلح للوديعة ثم أدمج في ضمن الفخر المدمج شكوى الزمان بقلة الإخوان وفقد من يصلح لهذا الشأن، وفسر قوم الاستتباع بأنه الوصف بشيء على وجه يستتبع الوصف بآخر سواء كان مدحًا أو ذمًا ومشى عليه الطيبي وغيره ومثل له بقول ابن الرومي:

نكهتها تقتل جلاسها = لقرب مجشاها من المفسى

وصفها باليخر على وجه استتبع وصفها بالقصر وقال الشيخ بهاء الدين وفيه نظر لأنه يتحد حينئذ بالإدماج. قلت: ليس كذلك فقد صرح الطيبي بأن الإدماج أخص وهذا هو الصواب لأن الوصف المستتبع في الأول للموصوف أولًا بخلاف الثاني فإن الوصف المضمن لغير الموصوف أولًا كما ترى وفرق الأندلسي أيضًا بأن الاستتباع لا يكون بذم في مدح ولا عكسه بخلاف الإدماج.

[تنبيه] قسم عبد الباقي وابن مالك الإدماج قسمين: أحدهما ما تقدم. والثاني أن تقصد نوعا من البديع فيجيء في ضمنه نوع آخر كقوله تعالى: وله الحمد في الأولى والآخرة قصدت المبالغة فجاء الطباق في ضمنها قالا ولا تمكن دعوى العكس لأن السياق دال على قصد المبالغة إذ بها يتم الغرض من المعنى دون الطباق فكانت مقصودة وكان تبعا:

[ومنه توجيه بأن يوافى = محتملا وجهين باختلاف

كقول من قال لأعور ألا = يا ليت عينيه سواء جعلا

قلت الصفىّ فسر التوجيه أن = يأتي بألفاظ شهيرة بفن

يوردها بغير ماله اشتهر = كالرفع والنصب وكالجزم وجر

نحو ارتفاع في محله وجب = من أمره جزم وللحكم انتصب

وجعل السابق من تفسيره = تفسير الإبهام كذا لغيره

قال ونحو ذلك بالموارية = لكنه يأتي لمن قد عاتبه

بمخلص ولا يجيء في الابتدا = به كذا بل غيره قد أوردا

كقوله قد ضاع شعري لما = أوخذ بل قد ضاء النظما]

من أنواع البديع التوجيه، وعرفه قوم بأن يحتمل الكلام وجهين متباينين من المعنى احتمالًا مطلقًا من غير تقييد بمدح أو ذم أو غيره، وقوم بأن يحتمل معنيين أحدهما مدح والآخر ذم، وهذا رأي لا نرضاه، والذي عليه حذاق الصنعة وأصحاب البديعيات وأولهم الصفي الحلي أن هذا التفسير للنوع المسمى بالإبهام بالباء الموحدة كما اخترعه ابن أبي الأصبع وسماه وعرفه بذلك، ومن أمثلته أن شاعرا مطبوعا فصل له قباء عند خياط أعور فقال له سآتيك به لا تدري أقباء هو أم دراعة فقال الشاعر إن فعلت ذلك قلت فيك بيتا لا يعلم من سمعه أدعوت لك أم عليك ففعل فقال:

جاء من زيد قباء = ليت عينيه سواء

[شرح عقود الجمان: 127]

يحتمل في العمى والأبصار وقال آخر في الحسن بن سهل لما زوج ابنته بوران للخليفة:

بارك الله للحسن = ولبروان في الخبن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت