الصفحة 148 من 189

السادس: الإلغاز، ذكره في التبيان ويسمى المحاجاة والتعمية، وهو أن يؤتي المتكلم بألفاظ مشتركة من غير ذكر الموصوف وعبارات تدل بظاهرها على غيره وباطنها عليه كقوله في القلم:

وذي خضوع راكع ساجد = ودمعه من جفنه جاري

مواظب الخمس لأوقاتها = منقطع في طاعة الباري

وقال أبو العلاء في الإبرة:

سعت ذات سم في قميص فغادرت = به أثرا والله شاف من السم

كست قيصرا ثوب الجمال وتعبا = وكسرى وعادت وهي عارية الجسم

وأنشدني صديقنا الشهاب المنصوري ملغزا في قلم:

أيها البارع الذي كم أحاجي = حل من ربقة المعنى ولغزا

أي شيء حاكى الدياجي وحاكت = عند تتميقه الأنامل طرزا

ومن البيض كم تحلى بوصل = وإليه ما زالت السمر تعزى

[شرح عقود الجمان: 137]

وبه تحفظ الشرائع حتى = صار صوتا لكل شرع وحرزا

أخرس يوسع الأنام حديثا = وله الدهر لست تسمع ركزا

فأجب فهو في الخفاء جليّ = زادك الله رفع قدر وعزا

فأجبته ارتجالًا:

أيها الشاعر الذي فاق مجدا = وارتفاعا على الأنام وعزا

جاءني لغزك البهي فأضحى = للأحاجي وللميز طرزا

هو في اسم إن صحفوه = فلم يخف وذو عكسه يرد ويخزى

وهو ذو أحرف ثلاث وثلثا = فحرف وذاك للعقل يعزى

وتراه مركبا وهو لا شك = ك بسيط وماله قط أجزا

دونك الحل بارتجال ولا زلت = شهابا وللمجيبين حرزا

وكتبت وأنا بالعقبة إليه ملغزا في طيبة ألبس الله سلطان الأدباء تاج الإكرام وهداه منهاج الكرام ما اسم على أربعة وهو علم مفرد وكم فيه من إشارة تعهد ارتفع بالإضافة، وخفض من رام خلاله، إن حذفت نصفه الثاني فاسم لأكرم قبيل أو فعل خفيف غير ثقيل وإن ضممت إلى أوله آخره فاسم لمن قد هاجره وإن جمعت ثالثة مع أوله ففعل لا شك في لطفه ومع ذلك يأبى الحبيب أن يفعله وإن شدد ثانية فهو في المتلو فيه قافية، وإن صحفت جملته فاسم لما إن حل به حرم وإن أشبه الإنسان ظرف وكرم وإن أبدلت من يائه ألف فهو على حاله لا يختلف وإن كسرت أوله وصحفت ثالثه فأصل كل نذير وبشير، ومن عجب أنه جمع بين شبهي المسك والكير حوى أفضل الخلق والخلق وأفصح القول والنطق فأفصح عنه غيبه ولذ بصاحب طيبة. فكتب لي في الجواب: أيد الله مولانا جلال الدين والدنيا ومعدن التدريس والفتيا جمل الله به ملة الإسلام وجمعنا الله وإياه في طيبة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وبعد فقد وقف العبد على تنميق هذا اللغز الممتنع على غير قريحته، السهل على سجيته، فوجد مولانا لم يترك قولًا ولا مقيلا لقائل ولا فضيلة لفاضل، بل حال ببديع استقصائه بين السؤال والجواب، وظفر من الحروف باللباب، وفاز بالصحيح دون السقيم واجتنى الزهر وترك الهشيم، فهنالك قدح العبد زند الفكرة بعد إخماده، وأيقظ طرف الفترة من رقاده، فوجد مولانا قد ألغز في اسم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت