الصفحة 152 من 189

[والنفي للموضوع قصدا صنعه = مثاله ليس الشديد الصرعة]

هذا النوع أيضًا من مخترعاتي، وسميته نفي الموضوع: وهو كثير في الحديث وكلام البلغاء بأن يكون اللفظ موضوعًا لمعنى فيصرح بنفيه عنه ويثبته لغيره مبالغة في إدعاء ذلك الحكم، ومثاله ما رواه الشيخان عن أبي هريرة قال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» وما رواه مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تعدون الرّقوب فيكم؟ قالوا الذي لا ولد له. قال ليس ذلك بالرقوب ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا» . قال أبو عبيدة: الرقوب في اللغة فاقد الأولاد في الدنيا فجعله فاقدهم في الآخرة، ومنه «ليس الغنى عن كثرة المال ولكن الغنى غنى النفس» رواه الشيخان عن أبي هريرة «ليس البيان كثرة الكلام ولكن فصل فيما يحب الله ورسوله وليس ... عن اللسان ولكن قلة المعرفة بالحق» رواه الديلمي عن أبي هريرة «ليس الجهاد أن يضرب الرجل بسيفه في سبيل الله إنما الجهاد من عال والديه وعال ولده وعال نفسه يكفها عن الناس» رواه الشافعي «ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث» رواه الديلمي عن أبي هريرة

[شرح عقود الجمان: 141]

«ليس عدوك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة وإذا قتلته كان نورا لك ولكن عدوك نفسك التي بين جنبيك وامرأتك التي تضاجعك على فراشك وولدك الذي من صلبك» رواه الطبراني وغيره عن أبي مالك الأشعري «ليس الأعمى من يعمى بصره ولكن الأعمى من تعمى بصيرته» رواه الديلمي عن عبد الله بن جراد:

ليس من مات فاستراح بميت = إنما الميت ميت الأحياء

كان صلى الله عليه وسلم يتمثل به كما رواه الديلمي عن ابن عباس

[وإن أتى بجمل للمقصد = توصلا لحكم ما به ابتدى

وصح حذف الوسط الموصول = فذلك التمهيد للدليل]

هذا نوع ثالث اخترعته وسميته تمهيد الدليل، وهو أن يقصد الحكم بشيء فيرتب له أدلة تقتضي تسليمه قطعا بأن يبدأ بالمقصود ويخبر عنه بجملة مسلمة ثم يخبر عن تلك الجملة بأخرى مسلمة فيلزم ثبوت الحكم للأول بأن يحذف الوسط ويخبر بالأخير عن الأول، وهذا شكل من أشكال المناطقة، ونحن معاشر أهل السنة لا نتبعهم أصلًا وهم مصرحون بأنه في طبع أهل الذوق والذكاء والقرآن والسنة طافحان باستعماله، ثم تارة يكون الوسط جملة واحدة، وتارة يكون أكثر فمن الأول قوله صلى الله عليه وسلم «لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا لم يؤمن بالله من لم يؤمن بي ولم يؤمن بي من لا يحب الأنصار» رواه الطيالسي عن سعيد بن زيد «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك» رواه النسائي عن أبي هريرة «من آذى مسلما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله» رواه الطبراني عن أنس.

[ومنه تصحيف بأن يعتمدا = به وبالتصحيف أمن قصدا]

هذا نوع رابع اخترعته، وهو أن يأتي في المقصود بكلام لتصحيفه معنى معتبر فيقصد ذلك لتذهب نفس السامع إلى كل من معنييه كما حكى عن بعض الأذكياء أنه كتب إلى بعض أصحابه أنه يشتري له من البضائع الرائجة وأمر أن لا ينقط ليصلح للرائجة والرابحة. ومن ألطف ما وقع في الحديث مما تصحيفه معتبر حتى اختلف الناس في روايته ما رواه أبو يعلى عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عليكم بغسل الدبر فإنه يذهب بالبواسير» فقوله بغسل الدبر اختلف فيه بعضهم فهو أنه بفتح الغين المعجمة وسكون السين وضم الدال المهملتين والباء الموحدة، ومنهم الحافظ أبو الحسن الهيثمي فأورده في باب الاستنجاء،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت