فهرس الكتاب
وهو أصعب مسلكا أن يضمر الناظم ركني التجنيس ويأتي في الظاهر بما يرادف المضمر للدلالة عليه كقول ابن عبدون في الخمر وقد صارت خلا:
ألا في سبيل اللهو كأس مدامة = أتتنا بطعم عهده غير ثابت
حكت بنت بسطام بن قيس عشية = وأمست كجسم الشنفرا بعد ثابت
وبنت بسطام اسمها الصهباء والشنفرا قال:
اسقنيها يا سواد بن عمرو = إن جسمي بعد خلى لخل
الخل هو الرقيق المهزول وظهر من كناية اللفظ الظاهر جناسان مضمران في صهباء وخل وخل وكقول الصفي:
وكل لحظ أتى باسم ابن ذي يزن = في فتكه بالمعنى أو أبي هرم
اسم ابن ذي يزن سيف وأبو هرم اسمه سنان فظهر له جناسان مضمران من كناية الألفاظ.
والثاني ويسمى أيضًا تجنيس الكناية وهو أن يقصد المجانسة في بيت بين الركنين فلا يوافقه الوزن على إبرازهما فيضمر الواحد ويعدل إلى مرادف فيه كناية عن المضمر أو إلى لفظة فيها كناية لفظية تدل عليها وهذا القسم ذكره الفخر الرازي في نهاية الإيجاز والطيبي في التبيان ومثلًا له بقوله:
حلقت لحية موسى باسمه = وبهرون إذا ما قلبا
أراد أن يقول موسى فلم يساعده الوزن فعدل إلى قوله باسمه ومثله قول دعبل في سلمى امرأته:
إني أحبك حبا لو تضمنه = سلمى سميك دق الشاهق الراسي
في سميك كناية لطيفة أشعرت أن الركن المضمر في سلمى، فظهر جناس الإشارة بين الظاهر والمضمر في سلمى وسلمى الذي هو الجبل، ومن الإشارة التي دل عليها المرادف قول عقيلة لما أراد قومها الرحيل من بني نهلان وتوجه منهم جماعة يحضرون الإبل:
فما مكثنا دام الجمال عليكما = بنهلان إلا أن تشد الأباعي
أرادت أن تجانس بين الجمال والجمال فلم يساعدها الوزن ولا القافية فعدلت إلى مرادفة الجمل بالأباعي [وللجناس أقسام باعتبارات أخر] . أحدها: المزدوج، ويسمى أيضًا المكرر وهو أن يتوالى متجانسان كقوله تعالى وجئتك من سبأ بنبأ يقين وحديث «من حسن الله خلقه وخلقه كان من أهل الجنة» رواه أبو الشيخ وابن حبان وحديث «المؤمنون هينون لينون» . وقول البحتري:
من كل ساجي الطرف أغيد أحيد = ومهفهف الكشحين أحوى أحور
ثانيها المجنح: وهو أن يقع أحد المتلونين أول البيت والآخر آخره كقوله:
[شرح عقود الجمان: 147]
لاح أنوار الهدى = من كفه في كل حال
ثالثها المشوّش: بفتح الواو وهو من زيادتي وذكره في الإيجاز والتبيان وغيرهما، وهو كل تجنيس يتجاذبه الطرفان من الصنعة كقولهم مليح البلاغة، أنيق البراعة، لو اتحدت اللامان كان مضارعا، أو العينان كان مصحفا ومنه حديث أبي داود وسوء الخلق شؤم لو اتحد أول الكلمة كان مطرفا أو حذفت الميم كان مصحفا وحديث الترمذي وغيره منى مناخ من سبق لو اتحدت حركات الميمات كان في الكلمات الثلاث جناس مطرف أو حذفت الخاء كان محرفًا.
ثم نبهت من زيادتي على أن الجناس نوع متوسط في البديع ليس كالتورية والاستخدام والطباق ونحوها،