الصفحة 161 من 189

وقوله:

سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد = ملء المسامع والأوفاه والمقل

[وإن يجيء لفظ فصيح وارد = ما غيره يسد فالفرائد

[شرح عقود الجمان: 149]

وإن يجيء وغيره سد وله = تخصص تنكيتهم فاستعمله]

هذان النوعان من زيادتي، وهما مختصان بالفصاحة دون البلاغة. فالفرائد أن يأتي بلفظة فصيحة تنزل من الكلام منزلة الفريدة من العقد، وتدل على فصاحة المتكلم بها بحيث لو سقطت لم يسد غيرها مسدها كقوله تعالى - أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم - فالرفث فريدة لا يقام غيرها مقامها، وقوله تعالى - أهش بها على غنمي - فأهش فريدة يعز على الفصحاء الإتيان بمثلها ومنه قولهم أنعم صباحا، والتنكيت أن يقصد إلى لفظ يسد غيره مسده لولا نكتة فيه ترجح اختصاصه بالذكر لكان القصد إليه دون غيره خطأ، ومنه في القرآن العظيم - وأنه هو رب الشعرى - خص الشعرى بالذكر دون سائر النجوم وهو رب كل شيء لأن من العرب من عبد الشعرى فأنزل الله ذلك ردًا على من ادّعى فيها الإلهية. قالت الخنساء:

يذكرني طلوع الشمس صخرا = وأذكره لكل غروب شمس

خصت هذين الوقتين بالذكر، وإن كانت تذكره كل وقت لما فيهما من النكتة المتضمنة المبالغة في الوصف بالشجاعة والكرم لأن طلوع الشمس وقت الغارات وغروبها وقت وقود النيران للقرى.

[السجع أن تواطأ الفواصل = في ختمها بواحد والفاضل

ما استوت القرينتان ثم أن = يطول ثان ثم ثالث ومن

طول الأولى زائدا لم يحسن = وكل الإعجاز ابنها وسكن

وفي القرآن قل فواصل ولا = يقال أسجاع فعنها قد علا

قلت وخير السجع ما قل إلى = عشرة وضعفها ما طولا]

السجع مأخوذ من سجع الحمام وهو عند أهل الفن تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد، وهو معنى قولهم: السجع في النثر كالقافة في الشعر، ومن الناس من قبحه لحديث «أسجعا كسجع الجاهلية» ورد بأنه إنما أنكر سجع الجاهلية لا مطلق السجع. قال ابن النفيس: ويكفي في حسنه ورود القرآن به، ولا يقدح في ذلك خلوه في بعض الآيات، لأن الحسن قد يقتضي المقام الانتقال إلى أحسن منه. وقال الخفاجي السجع محمود لا على الدوام، ولذلك لم تجيء فواصل القرآن كلها عليه، واختلف هل يجوز أن يقال في فواصل القرآن أسجاع أم لا؟ والأدب المنع لقوله تعالى - كتاب فصلت آياته - فسماه فواصل فليس لنا أن نتجاوزه، ولأنه يشرف عن أن يشارك الكلام الحادث في اسم السجع، ولأن السجع في الأصل هدير الحمام ونحوه، والقرآن يشرف عن أن يستعار له لفظ في أصل الوضع لطائر، ورجح القاضي أبو بكر الباقلاني في الانتصار جواز تسمية الفواصل سجعا، وعليه قال الخفاجي الفواصل ضربان: ما يكون سجعا، وهو ما تماثلت حروفه في المقاطع ولم تتماثل، وأفضل السجع ونحوه ما استوت قرائنه نحو - في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود - ويليه ما طالت قرينته، الثانية نحو - والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى - والثالثة نحو - خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة - الآية، ولا يحسن أن يؤتى بقرينة أقصر مما قبلها بكبير، ويجوز بقدر يسير. وقال الخفاجي لا يجوز أن تكون الثانية أقصر من الأولى، وقال ابن الأثير الأحسن في الثانية المساواة وإلا فأطول قليلا، وفي الثالثة أن تكون أطول. وقال غيره الأحسن في الفقرة المختلفة أن تكون الثانية أزيد من الأولى بقدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت