فهرس الكتاب
قص القصة مستوفية بأقصر عبارة ولتسهم لأن أول الآية فهم آخرها والانسجام وحسن البيان والتمكين لأن الفاصلة مستقرة في محلها والتهذيب ومجموع ذلك هو الإبداع. وأما أخذ المعنى المشهور مع التصرف بما يحسنه ويقربه فيسمى الإغراب والطرفة والنوادر كقول القاضي الفاضل:
تراءى ومرآة السماء صقيلة = فأثر فيها وجهه صورة البدر
فإن تشبيه الوجه بالبدر مشهور، ولكن زيادة هذه النادرة الغريبة أخرجته إلى حد الإغراب فقولي في النظم فسم بالإبداع البيت والبيتان بعده من زيادتي. وأما الأخذ والسرقة فضربان.
أحدهما ظاهر وهو أن يأخذ المعنى كله فإن كان بلفظه كله من غير تغيير فهو مذموم جدًا لأنه محض سرقة ويسمى نسخا أو انتحالا كما حكى أن عبد الله بن الزبير دخل على معاوية فأنشده قول معن بن أوس:
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته = على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حد السيف من أن تضيمه = إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
فقال له معاوية لقد شعرت بعدي ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معن فأنشده لاميته التي أولها:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل = على أينا تعدو المنية أول
وفيها البيتان السابقان فقال معاوية لابن الزبير ما هذا يا أبا خبيب فقال هو أخي من الرضاعة وأنا أحق بشعره ومثله أن يبدل بالكلمات ما يرادفها كما قال المتنبي:
لبسن الوشى لا متجملات = ولكن كي يصن به الجمالا
فقال الصاحب:
لبسن برود الوشى لا لمتجمل = ولكن لصون الحسن بين برود
وإن كان مع تغيير وأخذ بعض اللفظ لا كله سمي إغارة ومسخا وهو أقسام لأنه إما أن يكون الثاني أبلغ من الأول لاختصاصه بفضيلة كحسن السبك أو الاختصار أو الإيضاح أو زيادة معنى أو عذوبة
[شرح عقود الجمان: 163]
لفظ أو تمكين قافية أو تتميم نقص أو أدون أو مساويًا فالأول ممدوح كما قال بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته = وفاز بالطيبات الفانك اللهج
فقال سلم بعده:
من راقب الناس مات غما = وفاز باللذة الجسور
فأجاد السبك وأوجز، والثاني مذموم كما قال أبو تمام:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله = إن الزمان بمثله لبخيل
فقال المتنبي بعده:
أعدي الزمان سخاؤه فسخا به = ولقد يكون به الزمان بخيلا
فبيت أبي تمام أجود سبكا لأن المتنبي احتاج إلى أن وضع يكون موضع كان.
والثالث أبعد من الذم والفضل للأول كما قال أبو تمام.
لو حار مرتاد المنية لم يجد = إلا الفراق على النفوس دليلا
وقال بعده المتنبي:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت = لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
فإنهما سواء، وإن كان الأخذ للمعنى فقط دون شيء من اللفظ سمى إلماما وسلخا لأنه ألم بالمعنى أي