فهرس الكتاب
فليتجنب في اللفظ ما يطير = به وما منه المقام ينفر
وخيره مناسب للحال = وسمه براعة استهلال
واعن بتشبيب يجيء في الكلام = قبل الشروع ما يمهد المرام]
ينبغي للمتكلم شاعرًا كان أو كاتبًا أن يتأنق في مواضع هي محل تشوف النفوس ويبالغ في تحسينيها بأعذب لفظ وأجزله وأرقه وأسلسله وأحسنه نظما وسبكا وأصحه معنى وأوضحه وأخلاه من التعقيد ومن التقديم والتأخير الملبس والذي لا يناسب. أحدها الابتداء لأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان محررًا أقبل السامع على الكلام ووعاه وإلا أعرض عنه، ولو كان الباقي في نهاية الحسن، ألا ترى إلى ابتداء امرئ القيس في تذكار الأحبة والمنازل * قفانبك من ذكري حبيب ومنزل*
فوقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد وقول الآخر في تهنئة بالبناء:
قصر عليه تحية وسلام = خلعت عليه جمالها الأيام
فيجب أن يجتنب ما يتطير به في المدح ويكره ما ينفر منه المقام كما أنشد ابن مقاتل الضرير الداعي العلوي * موعد أ؛ بابك بالفرقة غد * فقال له الداعي بل موعد أحبابك يا ضرير ولك المثل السوء وأنشد جرير عبد الملك قصيدته التي أولها * أتصحو أم فؤادك غير صاح * فقال له عبد الملك بل فؤادك يا ابن الفاعلة * وأنشد ذو الرمة عبد الملك قصيدته التي أوّلها:
* ما بال عينك منها الماء ينكسب * وكان بعين عبد الملك رمص فهي تدمع أبدا. فقال له ما سؤالك عن هذا يا ابن الفاعلة وأخرجه، وأنشد أبو النجم هشاما قوله في الشمس:
صفراء قد كادت ولم تقفل = كأنها في الأفق عين الأحول
وكان هشام أحول فأخرجه وأمر بحبسه، وأنشد البحتري يوسف بن محمد قصيدته التي أولها:
* لك الويل من ليل تقاصر آخره * فقال له بل لك الويل والحرب. ودخل إسحق بن إبراهيم الموصلي على المعتصم وقد فرغ من بناء قصره بالميدان فأنشده قصيدة مطلعها:
يا دار غيرك البلا ومحاكي = يا ليت شعري ما الذي أبلاكي
فتطير المعتصم من قبح هذا الابتداء وأمر بهدم القصر على الفور. ومن الابتداء الحسن نوع لطيف أخص منه وهو أحسنه وهو ما اشتمل على ما يناسب الحال المتكلم فيه ويشير إلى ما سبق
[شرح عقود الجمان: 172]
الكلام لأجله ويسمى ذلك براعة الاستهلال لأن المتكلم فهم غرضه من كلامه عند رفع صوته والاستهلال هو رفع الصوت كقوله في التهنئة:
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا = وكوكب السعد في أفق العلا صعدا
وقوله في الرثاء:
هي الدنيا تقول بملء فيها = حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركم مني ابتسامي = فقولي مضحك والفعل مبكي
وقول الآخر فيه:
حكم المنية في البرية جاري = ما هذه الدنيا بدار قرار
وقول شيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر في مرثية شيخ الإسلام البلقيني رحمهما الله تعالى.
يا عين جودي لفقد البحر بالدرر = واذري الدموع ولا تبقى ولا تذر