الصفحة 186 من 189

وقوله الفقيه عمارة اليمني في العتب والشكوى:

إذا لم يسالمك الزمان فحارب = وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب

وقول لسان الدين بن الخطيب في إظهار النصر:

الحق يعلو والأباطل تسفل = والله عن أحكامه لا يسئل

وقول البوصيري في المديح النبوي * أمن تذكر جيران بذي سلم * البيتين فإن الغزل الذي يصدر به المديح النبوي يتعين على الناظم أن يحتشم فيه ويتشبب بذكر ذي سلم ورامة وسفح العقيق والعذيب وبارق وأكناف حاجر ونحوها ويجتنب التغزل في ثقل الردف ورقة الخصر وبياض الساق وحمرة الخد وخضرة العذار ونحو ذلك وقد ذكرت من زيادتي أنه لا بد من التشبيب وهو أن يقدم قنبل الشروع في الكلام ما يمهد المرام من نسيب أو غيره قال الواحدي وأصله ذكر أيام الشباب واللهو ويكون ذلك في ابتداء قصائد الشعر، ثم سمى ابتداء كل أمر تشبيبا وإن لم يكن في ذكر الشباب قال في التبيان وهو على وجوه منها التغزل قبل المدح قال المتنبي:

إذا كان مدحا فالنسيب المقدم = أكل فصيح قال شعرا متيم

وقال الأندلسي إذا كانت القصيدة مدحا خالصا خير في افتتاحها بالغزل وتركه وإن تضمنت حادثة من الحوادث كهزيمة جيش ونصرته وفتح ونحو ذلك لم يجز افتتاحها به لأنه رقة محضة فبينه وبين هذه الحوادث مباينة. ومنها التثبت عن الخطاب الهائل تلطفا. قال الله تعالى - عفا الله عنك لم أذنت لهم بدأ بالعفو قبل العتب تطمينا لقلبه صلى الله عليه وسلم. ومنها التنبيه على إلقاء السمع للخطاب الخطير بألا ونحوها من حروف الاستفتاح.

[وراع في تخلص للمقصد = ملائما لما به قد ابتدى

وربما إلى سواه ينتقل = كما رأى المخضرمون والأول

والحسن فصله بأما بعد أو = هذا كما في ذكر صاد قد تلوا]

النوع الثاني: مما يتأنق فيه التخلص مما ابتدئ به الكلام من نسيب أو غيره كالأدب والفخر إلى المقصود على وجه سهل يختلسه اختلاسًا رقيقًا دقيق المعنى، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع عليه الثاني لشدة الالتئام بينهما، وهذا النوع اعتنى به المتأخرون ووقع منه في القرآن ما يسكر العقول ويحير الأفهام فإنه تعالى في سورة الأعراف ذكر الأنبياء والقرون الماضية والأمم السالفة، ثم ذكر موسى وحكاية دعائه لنفسه ولأمته بقوله تعالى

[شرح عقود الجمان: 173]

واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، وجوابه تعالى عنه ثم تخلص بمناقب سيد المرسلين بعد تخلصه لأمته بقوله - قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين - من حالهم كيت وكيت، وهم الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، وأخذ من صفاته الكريمة وفضائله العظيمة، وفي سورة الشعراء حكى قول إبراهيم عليه السلام: ولا تخزني يوم يبعثون، فتخلص منه إلى وصف المعاد بقوله تعالى: يوم لا ينفع مال ولا بنون إلخ، وفي سورة القيامة نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن العجلة بقوله تعالى - لا تحرك بك لتعجل به - ثم تخلص بقوله سبحانه وتعالى - كلا بل تحبون العاجلة - وأما العرب المتقدمون والمخضرمون وهم من أدرك الجاهلية والإسلام ومن قاربهم فإنهم لم يعتنوا به ينتقلون بلا مناسبة، ويسمى الاقتضاب. نعم: لم يفتهم حسن التخلص كقول زهير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت