فهرس الكتاب
إن البخيل ملوم حيث كان = ولكن الكريم على علاته هرم
ومن الاقتضاب قول أبي تمام:
لو رأى الله أن في الشيب خيرا = جاورته الأبرار في الخلد شيبا
كل يوم تبدي صروف الليالي = خلقا من أبي سعيد غريبا
ومن الأول قوله:
تقول في قومس قومي وقد أخذت = منا السرى وخطا المهرية القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا = فقلت كلا ولكن مطلع الجود
ومن الاقتضاب ما يقرب من التخلص في أنه يشعر بشيء من الملاءمة كفصله بأما بعد، وهذا كقولك بعد الحمد لله. أما بعد فإن كذا وكذا فهو اقتضاب من جهة الانتقال من الحمد والثناء إلى كلام آخر من غير ملاءمة لكن يشبه التخلص من حيث لم يؤت بالكلام الآخر فجأة بعد قصد نوع من الربط على معنى مهما يكن من شيء بعد الحمد والثناء فإنه كان كذا وكذا وقوله تعالى - هذا وإن للطاغين لشر مآب - أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر فهو اقتضاب فيه نوع مناسبة ارتباط. قال ابن الأثير: هذا في هذا المقام من الفصل الذي هو أحسن من الوصل وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى آخر.
[فائدة] قال ابن الأثير: الذي أجمع عليه المحققون وعلماء البيان أن فصل الخطاب هو. أما بعد لأن المتكلم يفتتح كلامه في أمر ذي شأن بذكر الله تعالى وتحميده فإذا أراد أن ينتقل إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله أما بعد اهـ، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: أما بعد أخرجه الشيخان في قصة بريرة، واختلف في أول من نطق بها فروى الديلمي في مسند الفردوس عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أول من قال أما بعد وهو فصل الخطاب» .
[وزاد في التبيان حسن المطلب = بعد وسيلة أتى بالطلب]
هذا البيت من زيادتي، وهو الموضع الثالث مما يتأنق فيه، ويسمى براعة المطلب، وهو من مستخرجات الونجاني صاحب المعيار وذكره في التبيان. قال وحسنه أن يخرج إلى الغرض بعد تقدم الوسيلة كقوله تعالى - إياك نعبد وإياك نستعين - وقول أمية بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني = حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما = كفاه من تعرضه الثناء
[شرح عقود الجمان: 174]
قال ومما اجتمع فيه حسن التخلص والمطلب قوله تعالى حكاية عن إبراهيم - فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين - إلى قوله تعالى - رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين - اهـ.
وأما أصحاب البديعيات ففسروه بأن يلوح الطالب بالطلب بألفاظ عذبة مهذبة تشعر بما في النفس دون كشف وتصريح وإلحاح مقترنة بتعظيم الممدوح كقول المتنبي:
وفي النفس حاجات وفيك فطانة = سكوتي بيان عندها وخطاب
وفرقوا بينه وبين الإدماج بأن يقدر هناك معنى ثم يدمج غرضه فيه ويوهم أنه لم يقصده، وهذا مقصور على الطلب وهو أيضًا فرق بينه وبين الكناية.
[وإن يجيء في الانتهاء مؤذن = بختمه فهو البليغ الأحسن]
هذا آخر المواضع التي يجب التأنق فيها لأنه آخر ما يعيه السامع ويرسم في الذهن فإن كان حسنا