سوى ما استثنى: أي كباب نعم وبئس وإنما يسلم إذا رفع الأخلاء فاعلا لجفوني وجعل من باب أكلوني البراغيث فإنه حينئذ ليس بفصيح فلنحمل المثال الذي في النظم عليه.
الثاني: تنافر الكلمات وهو أيضا أعلى كالمثال المذكور في النظم وهو نصف بيت أوله:
وقبر حرب بمكان قفر* قال الرماني: وذكروا أنه من شعر الجن لأنه لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع ودون ذلك كقول أبي تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... = معي وإذا ما لمته لمته وحدي
واختلف في وجه التنافر فيه فقال في الإيضاح في قوله أمدحه ثقل لما بين الحاء والهاء من التنافر لتقاربهما ورد بوردوه في القرآن، قال تعالى: {فسبحه} وقيل لاجتماعهما بعد فتحة والآية سالمة من ذلك وقيل الثقل بين الحاء والهاء والهزة واعترضا بأنه تنافر في الحروف لا في الكلمات وجزم الخفاجي وحازم الأندلسي وغيرهما وتبعهم السبكي بأن سببه تكرار أمدحه، وقد أشرت إلى ذلك في النظم وهو من زيادتي وليس لك أن تقول سيأتي أن بعضهم شرط الخلوص من التكرار وأنه مردود لأن ذلك مطلق التكرار وهذا تكرير أمدحه خاصة لما فيه من الثقل بين الحاء والهاء.
الثالث: التعقيد وهو أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة إما لخلل في النظم: أي التركيب فلا يدري كيف يصل إلى معناه لما فيه التقديم والتأخير والإضمار ونحو ذلك كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... = أبو أمه حي أبوه يقاربه
فإن المعنى وما مثل الممدوح في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبو الممدوح: أي ابن أخته ففصل بين أبو أمه وهو مبتدأ وأبوه وهو خبر بحي وهو أجنبي وقدم المستثنى على المستثنى منه وإما أن يكون الخلل معنويا بأن لا يكون انتقال الذهن من المعنى الذي هو ظاهر اللفظ إلى المقصود ظاهرا كقول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... = وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
كنى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن وأصاب لأن البكاء يكنى به عنه كقول الحماسي:
أبكاني الدهر ويا ربما ... = أضحكني الدهر بما يرضى
وأراد أن يكنى عما يوجبه التلاقي من السرور بجمود العين لظنه أن الجمود خلو العين من البكاء مطلقا وأخطأ إذ الجمود خلوها منه حال إرادته فلا يكون كناية عن السرة بل عن البخل كقول أبي عطاء:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... = عيك بجاري دمعها لجمود