الصفحة 79 من 189

وقال ابن الأثير وغيره الإيجاز التعبير عن المراد بلفظ غير زائد والإطناب بلفظ زائد فلا واسطة عنده والمساواة داخلة في الإيجاز والسكاكي يراها واسطة لكن يجعلها أبدًا غير مقبولة بل بها يعتبر الإيجاز والإطناب المقبولان وإلى ذلك أشرت بقولي أو ادعى فقد المساواة والتصريح به من زيادتي. وقال صاحب التلخيص: الأقرب أن يقال إن المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله إما بلفظ مساو له أي للأصل المراد أو ناقص عنه واف أو زائد عليه لفائدة والأول المساواة، والثاني الإيجاز، والثالث الإطناب، واحترز بواف عن الإخلال بأن يقصر اللفظ عن أداء الكلام على وجه يطابق مقتضى الحال كقوله:

والعيش خير في ظلا = ل النوك ممن عاش كدا

فإن المراد العيش الناعم في ظلال الجهل خير من العيش الشاق في ظلال العقل واللفظ غير واف بذلك. قلت لكن المقام يدل عليه، وهو من باب الاحتياك الآتي واحترز بفائدة عن التطويل وهو زيادة لفظ غير متعين لا لفائدة كقوله * وألفى قولها كذبا ومينا * فإن الكذب والمين

[شرح عقود الجمان: 67]

واحد والزائد أحدهما غير متعين، وعن الحشو وهي زيادة متعينة لا لفائدة مفسدا كان كالندى في قوله:

ولا فضل فيها للشجاعة والندى = وصبر الفتى لولا لقاء شعوب

مفهومه أنه لا فضل للشجاعة والندى لولا الموت وهو مستقيم في الشجاعة لأن المقدام إذا تيقن الموت ثم أقدم عليه حمد دون البذل لأن من تيقن الموت وتخليف المال لم يحمد على البذل وإنما يحمد عليه من يرجو الحياة والحاجة، أو غير مفسد كقوله * وأعلم علم اليوم والأمس قبله * فقوله قبله حشو لكنه غير مفسد:

[بلا يحيق المكر مثلا أولا = ضربان للإيجاز قصر قد خلا

من حذف شيء آية القصاص = فقد حوت فوائد اختصاص

على الذي أوجز ما فيه شهر = القتل أنفى بعد للقتل ذكر

بقلة الحروف والنص على = مطلوبه والنكر تعظيما جلا

وبالطباق وعن التقدير = غنى وإن خلا عن التكرير]

أما المساواة فكقوله تعالى: {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} ، واعترض على هذا المثال بأن فيه إيجازًا بحذف المستثنى منه وإطنابًا بقوله السيء إذ المكر لا يكون إلا سيئا. وأجاب الشيخ سعد الدين عن الأول: بأن هذا الحذف رعاية لأمر لفظي لا يفتقر إليه تأدية أصل المراد حتى لو صرح به لكان إطنابا بل تطويلًا ومثل في الإيضاح بقوله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} قيل وفيه حذف موصوف الذين ويجاب بما تقدم. وأما الإيجاز فضربان: إيجاز القصر، وهو ما ليس فيه حذف وإيجاز الحذف فالأول كقوله تعالى: {ولكن في القصاص حياة} فإن معناه كثير ولفظه يسير لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيًا إلى أن لا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض وكان ارتفاع القتل حياة لهم وليس فيه حذف شيء وفضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى وهو قولهم القتل أنفى للقتل بقلة حروف ما يقابله منه وهو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض وكان ارتفاع القتل حياة لهم وليس فيه حذف شيء وفضلت هذه الجملة على أوجز عن القتل العدوان وبما يفيده تنكير حياة من التعظيم وبالمطابقة وهي الجمع بين متقابلين في الجملة كالقصاص والحياة وباستغنائه عن تقدير محذوف بخلاف قولهم فإن تقديره القتل أفي للقتل من تركه وبخلوه عن التكرير ولا شك أن الخالي عنه أفضل من المشتمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت