فهرس الكتاب
شبه الثريا بعنقود عنب لما حواه من الهيئة الحاصلة من تقارب الصور البيض المستديرة الصغار المقادير في المرائي على الكيفية المخصوصة لا شديدة الافتراق ولا الانضمام إلى المقدار المخصوص من الطول والعرض فنظر إلى عدة أشياء وقصد إلى هيئة حاصلة منها والطرفان مفردان وهما الثريا والعنقود والذي طرفاه مركبان كقول بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا = وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
لما فيه من الهيئة الحاصلة من سقوط أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شيء مظلم فهو مركب وكذا الطرفان لأنه لم يقصد تشبيه الليل بالنقع والكواكب بالسيوف بل عمد إلى تشبيه هيئة السيوف وقد سلت من أغمادها وهي تعلو وترسب وتجيء وتذهب وتضطرب اضطرابًا شديدًا وتتحرك بسرعة إلى جهات مختلفة وعلى أحوال تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض مع التلاقي والتداخل والتصادم والتلاحق وكذا في جانب المشبه به فإن للكواكب في تهاويها تواقعا وتداخلًا واستطالة لأشكالها. ويحكى عن بشار أنه قال لما سمعت قول امرئ القيس كأن قلوب الطير البيت لم يستقر لي قرار حسدا له حتى قلت هذا البيت في صفة الحرب، والذي طرفاه مختلفان بأن يكون الأول مفردا والثاني مركبًا كما مر في تشبيه الشقيق بأعلام ياقوت نشرت على رماح من زبرجد من الهيئة الحاصلة من نشر أجرام حمر مبسوطة على رءوس أجرام خضر مستطيلة فالمشبه مفرد وهو الشقيق والمشبه به مركب، وعكسه تشبيه نهار مشمس شابه زهر الربا بليل مقمر في قوله:
تريا نهارا مشمسا قد شابه = زهر الربا فكأنما هو مقمر
ومن بديع المركب الحسي ما يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركة سواء قرنت بشيء من أوصاف الجسم كالشكل واللون أو جردت حتى لا يراد غيرها ولا بد حينئذ من اختلاف حركات إلى جهات مختلفة له ليتحقق التركيب، فالأول كقوله * والشمس كالمرآة في كف الأشل * لما فيه من الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتصلة مع تموج الإشراق حتى يرى الشعاع كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض والثاني كقوله: فكأن البرق مصحف قار = فانطباقا مرة وانفتاحا
[شرح عقود الجمان: 82]
وجه التركيب أن المصحف يتحرك في حالتي الانطباق والانفتاح إلى جهتين في كل حالة إلى جهة بخلاف حركة الرحى والسهم مثلا فلا تركيب فيها لاتحادها، وقد يقع التركيب في هيئة السكون كقول المتنبي في صفة الكلب * يقعى جلوس البدوى المصطلى * لما فيه من الهيئة الحاصلة من موقع كل عضو منه في إقعائه فإن لكل موقعا خاصا وللمجموع صورة خاصة مؤلفة من تلك المواقع وكذلك صورة جلوس البدوى عند الاصطلاء بالنار موقدة على الأرض:
[وذو تركب إلى العقل انتسب = كمثل حرمان انتفاع مع تعب
في مثل اليهود بالحمار = والحمل للتوراة والأسفار
وراع في تعدد ما يحصل = به إذا أسقط منه خلل]
المركب العقلي من وجه الشبه كحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه في قوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} وربما ينزع وجه الشبه من متعدد فيقع الخطأ لوجوب انتزاعه من أكثر كما إذا انتزع من الشطر الأول من قوله:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامه = فلما رأوها أقشعت وتجلت