الصفحة 96 من 189

تقول هذا مجاج النحل تمدحه = وإن تعب قلت ذاقئ الزنابير

سابعها قصد استظرافه كما في تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب ووجه ظرفه إبرازه في صورة الممتنع عادة وقد يكون الظرف لكون المشبه به نادر الحضور في الذهن إما مطلقًا كالمذكور أو عند حضور المشبه كقول ابن المعتز في البنفسج:

ولا زوردية تعلو بزرقتها = بين الرياض على حمر اليواقيت

كأنها فوق قامات ضعفن بها = أوائل النار في أطراف كبريت

فإن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة بحر من المسك موجه الذهب لكن يندر حضورها عند حضور البنفسج فيستظرف. ويحكى أن جريرا قال أنشدني عدى * عرف الديار توهما فاعتادها * فلما بلغ قوله * يرجى أإن كأن إبرة روقة * رحمته وقلت قد وقع ما عساه أن يقول فلما بلغ قوله * قلم أصاب من الدواة مدادها * استحالت الرحمة حسدا له لأنه رآه حين افتتح التشبيه بذكر ما لا يحضر له شبه في بدء الفكرة فرحمه وحين رآه ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف حسده. وأما القسم الثاني وهو ما يعود من الغرض إلى المشبه به فمرجعه إما لا يهام أنه أتم من المشبه في وجه الشبه وذلك في التشبيه المقلوب بأن يجعل الناقص مشبهًا به قصدا إلى ادعاء أنه أكمل كقوله:

وبدا الصباح كأن غرّته = وجه الخليفة حين يمتدح

قصد إيهام أن وجهه أتم من الصباح في الضوء والضياء وقوله:

في طلعة البدر شيء من محاسنها = وللقضيب نصيب من تثنيها

فإن العادة أن تشبه الطلعة بالبدر والقدّ بالقضيب فعكس مفضلًا لحسن الطلعة على البدر والقد على القضيب قال المعرى:

[شرح عقود الجمان: 85]

ظلمناك في تشبيه صدغيك بالمسك = وقاعدة التشبيه نقصان ما يحكى

وإما لبيان الاهتمام بالمشبه به كتشبيه الجائع وجها بالبدر في الإشراق والاستدارة بالرغيف ويسمى إظهار المطلوب ولا يحسن إلا في مقام الطمع كما روى أن الصاحب بن عباد مدح قاضي سجستان بقوله * وعالم يعرف بالسجزى * وأشار إلى الندماء بإجازة هذا النصف فلما انتهت النوبة إلى شريف قال * أشهى إلى النفس من الخبز * فأمر بإحضار المائدة ثم هذا الذي ذكر من جعل أحد الشيئين مشبها والآخر مشبهًا به إنما يكون إذا أريد إلحاق الناقص بالزائد حقيقة أو ادعاء، فإن أريد الجمع بين شيئين في أمر من الأمور من غير قصد إلى كون أحدهما ناقصًا والآخر زائدًا سواء وجد أم لا فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه ليكون كل من الشيئين مشبهًا ومشبهًا به احترازًا من ترجيح أحد المتساويين كقوله:

تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي = فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب

فوالله ما أدري أبالخمر أسبلت = جفوني أم من عبرتي كنت أشرب

لما اعتقد التساوي بين الدمع والخمر ترك التشبيه إلى التشابه ويجوز أيضًا التشبيه في مثل ذلك لسبب من الأسباب كزيادة الاهتمام وكون الكلام فيه.

أقسام التشبيه

[فباعتبار الطرفين مفرد = بمفرد كلاهما مقيد

أم لا أم الخلاف فيهما حصل = كالشمس كالمرآة في كف الأشل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت