فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 165

صفحة 118

قوله: (وسبيل الحق بينهما) .

أي: بين الأمن واليأس، وهو الوُقوف بين الخَوْفِ والرَّجاءِ [12] ، إذْ هُوَ حقيقَةُ العُبودِيَّة.

قال الله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} (السجدة: 16) ، أي: خوفًا من عقابه، وطمعًا في رحمتِه وثوابه.

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( لو وُزِنَ خَوْفُ المؤمِنِ ورجاؤه لاعْتَدَلا ) ) [13] .

وفيه إشارةٌ إلى ما ذهبت غليه الخوارج والمرجئة، فإن الخوارج أيِسوا من ثواب الله بارتكاب الكبيرة، والمرجئة أمِنوا من العذاب [مع] [14] ارتكابها، فهما في طرَفي التفريط والإفراط، وخيرُ الأمورِ أوسطُها، وهو مذهبُ أهلِ السنةِ والجماعة.

قوله: (ولا يخرُجُ العبدُ من الإيمان إلا بجحود ما أدخلهُ فيه) .

لأنَّ الكُفْرَ والإيمانَ مُتَضادّانِ، فلا يَبْطُلُ أحدُهُما إلا بإتْيانِ الآخَرِ، والمُؤمِنُ صارَ مؤمِنًا وَدَخَلَ فيْ الإيمانِ بالتصديقِ والإِقْرارِ، فلا يَصِيْرُ كافرآ وخارِجًا عَن الإيمانِ إلا بالجُحُوْدِ والتَّكْذِيْبِ، فإذا ارْتَكَبَ كَبِيْرَةً مَعَ بقاءِ اعْتِقَادِ الْجَزْمِ والتَّصْدِيْقِ والإقْرارِ فلا يَخرُجُ عَنِ الإيْمانِ، فَلا يُحْكَمُ بِكُفْرِ أحَدٍ حتى يُعْلَمَ مِنْهُ جُحُوْدُ ما صارَ بِهِ مؤمِنًا.

بيان معنى الإيمان وأنه لا يزيد ولا ينقص

قوله: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديقُ بالجَنان) .

وهو القلبُ، فالحاصل

حاشية

[1] قال في العقائد النسفية: (( والكبائر لا تخرج العبد المؤمن من الإيمان ولا تدخله في الكفر ) ). اهـ، قال السعد: (( نعم، إذا كان بطريق الاستحلال والاستخفاف كان كفرًا، لكونه علامة للتكذيب، ولا نزاع في أن من المعاصي ما جعله الشارع أمارةً للتكذيب، وعلم كونه كذلك بالأدلة الشرعية، كسجود للصنم، إلقاء المصحف في القاذورات، والتلفظ بكلمات الكفر، ونحو ذلك مما يثبت بالأدلة أنه كفر، وبهذا ينحل ما قيل: إن الإيمان إذا كان عبارة عن التصديق والإقرار ينبغي أن لا يصير المقر المصدق كافرًا بشيء من أفعال الكفر وألفاظه، ما لم يتحقق منه التكذيب ) ). اهـ.

[2] رواه الدارقطني في (( السنن ) ) (1786) ، والديلمي (7320) ، وابن عمشيلق في (( جزئه ) ) (25) ، كلهم بلفظ: (( وَإِنْ عَمِلُوا الْكَبَائِرَ , وَصَلُّوا مَعَ كُلِّ إِمَامٍ وَجَاهِدُوا مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ وَصَلُّوا عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ ) ).

[3] أي: تصديق النبي عليه الصلاة والسلام بالقلب في جميع ما عُلِمَ بالضرورة مجيئه به من عند الله إجمالًا.

[4] واعلم أن كُلًا منهما رُكنٌ، إلا أن التصديق رُكْنٌ لا يَحْتَمِلُ السقوط أصلًا، والإٌرار قد يحتمله كما في حالة الإكراه والعجز، ونَقَلَ الميدانيُّ عن صاحب العمدة من الحنفية: (( الإيمان هو التصديق، فمن صدَّق الرسول فيما جاء به فهو مؤمن بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرطُ إجراءِ الأحكام ) ). اهـ. فالخلاف في أن الإقرار هل هو شرطُ إجراءِ الأحكام أم ركنٌ يحتَمِلُ السقوط في بعضِ الحالات، والمراد بالأحكام: أحكام الدنيا من الصلاةِ خلفَهُ وعليهِ ودفنِهِ في مقابر المسلمين وغير ذلك، واتفق القائلون بعدم اعتبار الإقرار ركنًا على أنه متى طولب أتى به، فإن طولب به فلم يقر فهو كفر وعناد، وهذا ما قالوا: إن ترك العناد شرطٌ، وفسروا تركَ العناد بالإقرار، وبالجملة فقد ضُمَّ إلى التصديق بالقلب أو إليهم في تحقيق الإيمان وإثباتِه أمورٌ، الإخلال بها إخلالٌ بالإيمان اتفاقأً، كتركِ السجودِ للصَنَمِ، وكقتلِ نبيٍّ أو الاستخفاف به أو بالمصحف والكعبة، وكذا مخالفة ما أُجْمِعَ عليه وإنكاره بعد العلم به، قال الإمام أبو القاسم الإسفراييني بعد ذكر هذه الأمور: إذا وُجد ذلك دَلَّنا على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه )) .

[5] قال السعد في (( شرح العقائد ) ): الأعمال غيرُ داخلة في الإيمان؛ لما مرَّ من أن حقيقة الإيمان هو التصديق؛ ولأنه قد ورد في الكتاب والسنة عطفُ الأعمال على الإيمان كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (البقرة: 277) ، مع القطع بأن العطف يقتضي المغايرة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، وورد أيضًا جعلُ الإيمان شرطَ صحةِ الأعمال، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} (النساء: 124) مع القطع بأن المشروع لا يدخل في الشرط؛ لامتناع اشتراط الشيء بنفسه، وورد أيضًا إثباتُ الإيمان لمن تَرَكَ بعض الأعمال، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} (الحجرات: 9) …مع القطع بأنه لا يتحقق الشيء بدون ركنه، ولا يخفى أن هذه الوجوه إنما تقوم حجة على من يجعل الطاعات ركنًا من حقيقة الإيمان بحيث أن تاركها لا يكون مؤمنًا، كما هو رأيُ المعتزلة، لا على مذهب من ذهب إلى أنها ركن من الإيمان الكامل، بحيث لا يخرج عنه تاركها عن حقيقة الإيمان، كما هو مذهب الشافعي )) . اهـ.

[6] الضمير (( واو الجماعة ) )عائد على المرجئة.

[7] لأن الله تعالى هو الذي خلقَ لك هذا العملَ الصالح، وإنما يجري الكسبُ من العبدِ، فلا يوكن العبدُ فاعلًا لشيء يستَوْجِبُ لهُ الجزاء إلا بمَحْضِ فَضْلِ الله تعالى، قال العارف بالله ابن عطاءِ الله السكندري: (( إذا أراد أن يُظْهِرَ فضلهُ عليك، خَلَقَ ونَسَبَ إليك ) )وقال: (( لا تطلب عِوَضًا على عَمَلٍ لستَ له فاعلًا، يكفي من الجزاء لك على العَمَلِ أنْ كانَ له قابلًا ) )، وقال: (( كيف تطلُبُ الجزاءَ على عَمَلٍ هو مُتَصَدِّقٌ به عليك؟! أم كيف تطلُبُ الجزاءَ على صِدقٍ هُوَ مُهْدِيْهِ إليك؟! ) ).

وقال: (( كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رَضِيَكَ أهلًا لها ) ).

[8] متفق عليه، رواهُ البخاري في (( صحيحه ) ) (5241) ، ومسلمٌ في (( صحيحه ) ) (5036) .

[9] وهي الواردةُ في قوله تعال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الأعراف: 175) ، قيل: إنه كان يعلَمُ الاسمَ الأعظَمَ، راجِعْ ما فُسِّرَتْ به الآيةُ في كُتُبِ التفسير.

[10] رواه البخاري في (( صحيحه ) ) (5552) ومسلم في (( صحيحه ) ) (4685) .

[11] ساقط من الأصول مستَكمَلٌ من المطبوع.

[12] فائدةٌ: قال العارف بالله ابن عطاء الله السكندري: (( إذا أرَدْتَ أنْ يُفْتَحَ لَكَ بابُ الرَّجاءِ فَاشْهَدْ ما مِنْهُ إلَيْكَ، وَإذا أرَدْتَ أنْ يُفْتَحَ لَكَ بابُ الخَوْفِ فاشْهَدْ ما مِنْكَ إِلَيْهِ ) ).

[13] رواه البيهقي في (( شعب الإيمان ) ) (1038) و (1039) مِنْ كلامِ مُطَرِّف، قال السخاوي في (( المقاصد ) ) (109) : لا أصل له في المرفوع، وإنما يؤثَرُ عن بعضِ السَّلَف، ومعناهُ صحيحٌ )) . اهـ.

[14] بالأصل: بالكبيرة، وهو يؤَدِّيْ لِخُلْفٍ في المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت