فهرس الكتاب
صفحة 68
كُنْ فَيَكُونُ (النحل: 40) . وفيه نفي الربوبية عن غيره وإثبات الوحدانية له.
ويحتمل: أن يراد بالأمر القضاء؛ فيكون معناه لا يقضي عليه أحد قهرًا؛ لأنه الواحد القهار.
قوله: (آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلًا من عنده) .
أي: صدقنا بجميع ما تقدم، فتكون الإشارة بقوله ذلك إلى جميع ما سبق ذكره، وفي ذكر الإيقان بعده إشارة إلى أن الإيمان بما سبق ليس بالتقليد المحض [9] ، بل بالدلائل السمعية والبراهين العقلية علمًا يقينًا لا يعتريه شك، واليقين مِن يَقَنَ الماءُ إذا استقرَّ؛ لأن العلم الثابت بالاستدلال يسمى يقينًا لثبوته واستقراره، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (الأنعام: 75) ، سماه موقنًا لحصول العلم له بالاستدلال من الموضوع على الصانع.
قوله: (وأن محمدًا عليه الصلاة والسلام عبده المصطفى ونبيه [1] [2] المجتبى ورسوله [3] المرتضى) .
حاشية
[1] متفق عليه، رواه الإمام البخاري في (( صحيحه ) ) (48) ، والإمام مسلم في (( صحيحه ) ) (9) .
[2] أي: لا مشيئة للعباد نافذة إلا حيث وافقت ما شاء الله لهم.
[3] قال السعد في (( شرح العقائد ) ): {اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (فاطر: 8) بمعنى: خلق الضلالة والاهتداء لأنه الخالق وحده. وفي التقييد بالمشيئة إشارة إلى أنه ليس المراد بالهداية بيان طريق الحق؛ لأنه عام في حق الكل، ولا الإضلال عبارة عن وجدان العبد ضالًا أو تسميته ضالًا، إذ لا معنى لتعليق ذلك بمشيئة الله تعالى. نعم قد تضاف الهداية إلى النبي عليه السلام مجازًا بطريق التسبب، كما تسنَد إلى القرآن. وقد يُسنَد الإضلال إلى الشيطان مجازًا كما يسنَد إلىالأصنام .... وعندنا (الهداية) الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب، سواء حصل الوصول والاهتداء أو لم يحصل )) .
[4] في المخطوط: من.
[5] وجوب الصلاح ووجوب الأصلح من مبادئ المعتزلة، ويعنون بالصلاح ما قابل الفساد كالإيمان في مقابلة الكفر، والصحة في مقابلة المرض، فلو كان هناك أمران أحدهما فيه صلاح العبد كدخوله الجنة، والآخر فيه فساده كدخوله النار، وجب على الله في زعمهم أن يفعل ما فيه صلاح العبد ويدخله الجنة، ويعنون بالأصلح ما يقابل الصلاح، كالثواب بلا تكليف في مقابلة الثواب مع التكليف، فإذا تعارض أمران أحدهما صلاح للعبد ككونه في الجنة والآخر أصلح ككونه في أعلاها وجب على الله في زعمهم أن يدخله أعلاها مراعاة لما هو أصلح له. تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، سبحانه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23) ، ولا يجب عليه شيء.
قال السعد في (( شرح العقائد ) ): ("وما هو الأصلح للعبد فليس ذلك بواجب على الله تعالى) وإلا لما خلق الكافر الفقير المعذب في الدنيا والآخرة، ولما كان له منة على العباد، واستحقاق شكرفي الهداية وإفاضة أنواع الخيرات لكونها أداءً للواجب، ولَمَا كان امتنان الله على النبي عليه الصلاة والسلام فوق امتنانه على أبي جهل لعنه الله، إن فعل بكل منهما غاية مقدوره من الأصلح له .. )) . اهـ."
[6] قال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي -حفظه الله- في تفسير قوله تعالى: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (النحل: 93) ما محصله أن معناها: أنه تعالى لا يعجزه شيء عن أن يقذف أسباب الهداية الجبرية في قلب أضل الكافرين، وأن يقذف أسباب الضلالة في قلب أصلح عباده المؤمنين، لكنه سبحانه كتب على نفسه أن لا يضل من الناس ولا يهدي إلا لمن تعرضَّ لأسباب كُلٍّ.
[7] في المخطوط: إيجاب.
[8] قد يأمر الله بالشيء ويريده، كإيمان المؤمن أمر الله به وأراده. وقد يأمر به ولا يريده، كإيمان الكافر أمر الله به ولم يرده. وقد يريده ولا يأمر به، ككفر الكافر أراده الله لكنه لم يأمر به. وقد لا أمر به ولا يريده، ككفرالمؤمن لم يرده الله ولم يأمر به. فالأمر والإرادة متغايران.
[9] اختلف العلماء في إيمان المقلد، والراجح أن إيمانه صحيح بشرط الجزم، بمعنى أن يجزم المقلد بما يؤمن به بحيث لا يرجع المقلِّد عنه ولو رجع المقلَّد. لكنه يكون آثمًا بترك النظر إن كان قادرًا عليه، ويكفي في ذلك النظر الإجمالي، ولا يشترط النظر التفصيلي.
[1] النبي: إنسان ذكر حُرٌّ أوحيَ إليه بشرعٍ أُمِرَ بتبليغه أم لا. فإن أمر بتبليغه فـ (( رسول ) ). و (( النبي ) )من (( النبوة ) )وي الرفعة، أي: له عند الله تعالى مرتبة رفيعة، أو من (( النبأ ) )وهو مصدر قد يراد به اسم المفعول فيكون بمعنى الْمُنْبأ أي: من أخبره الله وأعلمه أنه نبيه وأنبأه بوحيه، وقد يراد به اسم الفاعل فيكون بمعنى المُنْبِئ أي: المخبِرِ عن الله بما أمره بإبلاغه.
[2] في نسخة: أمينه.
[3] الفرق بين النبي والرسول أن النبي أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه، والرسول أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. فالرسول أخص من النبي مطلقا، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا. وقال الملا علي القاري في (( شرح الفقه الأكبر ) ): (( وظاهر كلام الإمام ترادف النبي والرسول كما اختاره ابن الهمام، إلا أن الجمهور على ما قدمناه من أن الرسول أخص من النبي ) ). اهـ. واعلم: أن إرسال الرسل من الجائز عقلًا، خلافًا للفلاسفة القائلين بوجوب ذلك بالعلة والطبيعة، وخلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب ذلك على الله تحقيقًا لصلاح عباده، بل نقول: إنه واجب شرعًا إرسال الرسل لتعلق علم الله تعالى به، والمراد أنه يجب وقوعه لا أنه يجب وجوبًا عقليًا على الله عز وجل. واعلم: أنه يجب الإيمان بنبوة كل من ذُكِرَ من الأنبياء تفصيلًا في الكتاب وهم خمسة وعشرون، وبسائر الرسل إجمالًا وإن لم تُعْلَم أسماؤهم وأعدادهم. قال الملا علي القاري في (( شرح الفقه الأكبر ) ): (( ولا نعين عددًا لئلا يدخل فيهم من ليس منهم، أو يخرج منهم من هو منهم ) ). اهـ.