فهرس الكتاب
صفحة 75
وقول الحنابلة: [3] _وهو أنه حروف غير مخلوقة قائمة [4] بذاته_ أيضًا باطل؛ لأن الحروف تتوالى ويقع بعضها مسبوقًا ببعض، وكلُّ مسبوقٍ حادثٌ؛ ولأن الحروف [5] لا تصدر إلا من الآلات، وهي الحلق والشفة وغيرهما، فيلزم منه التجسيم، تعالى الله عن ذلك.
وإنما قال: (أنزله على نبيه وحيًا) لقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} (الأنعام: 19) .
وإنما قال: (وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقًا) ؛ لأن الصحابة شهدوا نزوله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحققوا إعجازه، وصدّقوا كونه كلام الله، ثم نقلوه إلى من بعدهم بالتواتر كما نقلوا عن رسول الله، ودعوا الخلق إلى إقامة حكمه اعتقادًا وعملًا، وذلك دليل على تصديقهم.
قوله: (وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة) .
أي: علموا باليقين أن القرآن كلام الله بالحقيقة كالعلم والحياة وسائر الصفات.
وفيه رد لمذهب المعتزل حيث قالوا: (( إنما سُمِيَ القرآن كلام الله بطريق المجاز لأنه خالقه ) ).
قلنا: هذا فاسد، فإن المتكلم حقيقة مَنْ قام به الكلام، لا من خلق الكلام، كالعالِم من قام به العلم لا مَنْ خَلَقَ العلم في غيره، إذا لو اتصف بالكلام _مع أنه لم يقم به_ باعتبار أنه خالقه، لاتصف بالسواد وسائر الألوان المختلفة لأنه خالقه.