فهرس الكتاب
صفحة 80
وأما الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو قولُه عليه الصلاة والسلام: (( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر، لا تُضامون في رؤيتِه ) )ref] رواه البخاري في (( صحيحه ) ) (521) ونحوه أبو داود في (( السنن ) ) (4104) والترمذي في (( السنن ) ) (2474) . [/ ref] ، والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في عدم الشك والخلاف فيها [7] ، لا تشبيه المرئي بالمرئي.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيِّض وجوهنا؟! ألم تُدخِلْنا الجنة وتُنَجِّنا من النار؟! قال: فيكشف الحجاب، فما أُعْطُوا شيئًا أحَبَّ إليهِم من النظر إلى ربهم عزَّ وجَلَّ ) ) [8] .
فيّنْسَوْنَ النَّعِيْمَ إذا رَأَوْهُ…فَيَا خُسْرانَ أهلِ الإِعْتِزالِ [9] .
بيان حكم المتشابه من النصوص
قوله: (ومعناه وتفسيره على ما أراد، ولا ندخل في ذلك متأوِّلين بآرائنا ولا مُتَوهمين بأوهامنا) .
[هذا رد على المعتزلة حيث أولوا قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} بأن كلمة"إلى"هاهنا واحدةُ الآلاء؛ بمعنى: النعمة [1] كقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} .
حاشية
[1] رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة جائزة عقلًا؛ لأنه تعالى موجودٌ وكل موجودٍ يَصِحُّ أن يُرى. وواجبة شرعًا؛ لورود النصوص بحصولها. قال الإمام أبو حنيفة: (( والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعيُن رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة ) ). وقال أيضًا في كتابه الوصية: (( ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيهٍ ولا جهةٍ حَقٌّ ) ).
[2] هذا هو مذهب السلف، وهو تفويض معنى المتشابهات إلى الله سبحانه، دون تعيين المعنى المراد من غير دليل قطعي.
[3] المتشابه هو كل ما صح به النقل ويوهم ظاهره مشابهته تعالى للحوادث مع قيام الدليل القاطع على امتناع ظاهره في حق الله تعالى. قال الميداني: (( المتشابه وكل وصف اتصفت به الذات العلية مما لا يدرك في العقل ولا يترك للنقل معناه وتفسيره على ما أراد، أي: مراد الله تعالى ) ). ونقل الميداني عن البزدوي قوله: (( إثبات اليد والوجه عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولن يجوز إبطال الاصول بالعجز عن دَرْك الوصف، وإنما ضلَّت المعتزلة من هذا الوجه ) )اهـ. فإن قيل ما فائدة ورود الشرع بالمتشابه؟ فالجواب: أن فائدتها إظهار عجز البشر وقصور فهمهم عن كلام ربهم، وتَعَبُّدِهم بإيمانهم وتفويضهم العلم لله تعالى، كما أنه ابتلاء لهم يتميز به المؤمن من غيره.
[4] نقل الميداني عن الإمام عبدالغني النابلسي في شرح الطريقة: الرؤية تابعة للشيء على ما هو عليه، فمن كان في مكان وجهة لا يرى إلا في مكان وجهة كما هو كذلك، ويرى بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة، ومن لم يكن في مكان ولا جهة وليس بجسم، فرؤيتُه كذلك ليس في مكان ولا جهة، ولا بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة، وإلا لم تكن رؤية له، بل لغيره. اهـ.
[5] ساقط من الأصلين مستكمَل من المطبوع.
[6] الرؤية جائزة بالعقل واجبة بالشرع.
أما أنها جائزة بالعقل فيستدل عليه بأن موسى عليه السلام قد سأل ربه الرؤية بقوله: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} فإن لم تكن الرؤية ممكنة لكان طلبها جهلًا بما يجوز في ذات الله تعالى وما لا يجوز، أو سفهًا وعبثًا وطلبًا للمحال، والأنبياء منزهون عن ذلك. وأن الله قد علق الرؤية باستقرار الجبل وهو أمر ممكن في نفسه، والمعلق بالممكن ممكن.
وأما أنها واجبة بالشرع: فلورود الدليلالسمعي بإيجاب رؤية المؤمنين الله في الدار الآخرة، وبالإجماع: فالأمة كانوا مجمعين على وقوع الرؤية في الآخرة، وأن الآيات الواردة في ذلك محمولة على ظواهرها، ولهذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم في أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا؟ والاختلاف في الوقوع دليل الإمكان. ثم ظهرت مقالة المخالفين وشاعت شبههم وتأويلاتهم.
وأقوى شبههم من العقليات: أن الرؤية مشروطة بكون المرئي في مكان وجهة مقابلة من الرائي وثبوت مسافة بينهما بحيث لا تكون في غاية القرب ولا في غاية البعد، واتصال شعاع من الباصرة بالمرئي، وكل ذلك محال في حق الله تعالى. والجواب منع هذا الاشتراط، وإليه أشاروا بقولهم: (( فيُرى لا في مكان ولا في جهة ) )، وقياس الغائب على الشاهد فاسد.
وشبهتهم من السمعيات قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} (الأنعام: 103) . والجواب _بعد تسليم كون الأبصار للاستغراق، وإفادته عموم السلب لا سلب العموم، وكون الإدراك هو الرؤية مطلقًا لا الرؤية على وجه الإحاطة بجوانب المرئي_ أنه لا دلالة فيه على عموم الأوقات والأحوال. (السعد بتصرف كثير) .
[7] قال الميداني: فتشبيه الرؤية برؤية البدر والشمس من حيث الوضوح التام والتجلي الكامل الذي لا شك فيه ولا ريب.
[8] رواه أحمد (رقم 18961) ، وابن ماجه (رقم 187) ، وابن خزيمة في التوحيد (ص 181) ، وابن حِبان (7441) ، والنسائي في الكبرى (11234) ، والبزار (رقم 2087) ، وأبو عوانة (411) ، والطبراني في الكبير (7314) ، وفي الأوسط (756) .
[9] قال صاحب بدء الأمالي:
يَراهُ المُؤْمِنُونَ بِغَيْرِ كَيْفٍ…وإدْراكٍ وَضَرْبٍ مِنْ مِثالِ
فيّنْسَوْنَ النَّعِيْمَ إذا رَأَوْهُ…فَيَا خُسْرانَ أهلِ الإِعْتِزالِ