فهرس الكتاب
صفحة 85
ويُحتَمل في وجه التسمية بها وجهٌ آخر، وهو: أن أهلَ الجَنَّة لكثرة ما يُسَلِّمون فيها سُميت بها، قال تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} (الواقعة: 25 - 26) وأيضًا الملائكة يُسَلمون عليهم، قال الله تعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ} (الزمر: 73) .
وإنما لا يصح الإيمان بالرؤية لمن اعتبر الرؤية بوهم؛ لأن الوهم إنما يقع على موهَم هو جزئي تنطبع صورته في الحواس، لأن الوهم يدرك الجزئيات غير مجردة عن المراد، وذلك في حق الله محال، ومن جَوَّز الرؤية بهذا المعنى فقد أبطلها ولم يؤمن بها.
وإنما لا يصح الإيمان بالرؤية لمن تأوَّلها بفهم؛ لأن الفهم يكون بتأمل العقل بحصول تأهل فيه، وفهمُ المعنى الذي يضاف إلى الربوبية لا سبيل للعقل إلى دّرْكِه إذْ هو مُحال؛ تحيَّرَتْ في بدء الألوهية أنظارُ العقل وآراؤه، وأُرْتِجَتْ دُونَ إدراكه طُرُقُ الفِكْر وأنحاؤه.
فلذلك قال: لايصح الإيمان بالرؤية إلا بترك التأويل وهمًا وفهمًا، ولزوم التسليم في كيفية الرؤية، لأن الربوبية منزَّهَةٌ عن الماهية التي يُدْرِكُها العقل والكيفية والكمية المدركة بالوهم.
قوله: (إلا بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المرسلين) .
هذا استثناء عن قوله: (لايصح الإيمان) ، يمعنى لا يصح الإيمان بترك التأويل في كيفية الرؤية ولزم التسليم فيها.
ولهذا لمّا أوَّلَه المُعتزلة وقالوا بأن الرؤية لا تحصل إلا بمقابلة الرائي والمرئي مع عدم البعد والقرب المفرطين واتصال الشعاع، فقد أحالوا الرؤية، فلو سكتوا عن التأويل وآمنوا بأصل الرؤية لما وقعوا في الإنكار.