فهرس الكتاب
صفحة 87
من أراد التنزيه بنفي الرؤية أو إثبات التشبيه فقد زل عن طريق الصواب، ولم يُصِبْ من التَّنْزيه الذي طلبه فخاب سعيُه.
وأشار إلى الدليل على هذا قوله:
(فإن ربنا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية) .
وكونه مرئيًا من صفات الكمال، لأن المُجّوِّزَ للرؤية كونه موجودًا، وكل موجود لا تمتنع رؤيتُه [6] ، فلو قلنا بامتناع رؤيته لزم منه نفي الوجود وإثبات العدم، تعالى الله عن ذلك.
فالمعتزلة بنفي الرؤية _لإرادة التنزيه_ وقعوا في أمر باطل ولم يصيبوا ما طلبوا.
وكذلك كون صفاته غير مشابهة لصفات الأنام من الكمال، فإنه الواحد القهار، وبديع السماوات والأرض، كيف تكون صفة خلقه مشابهة لصفاته؟! وفيما ذكره المجسمة من إثبات الجهة والمكان، وتشبيه رؤيته كرؤية الأجسام، إثبات نقص في ذاته وصفاته، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فهم أخطأوا فيما يزعمون أنهم أرادوا بإثبات التشبيه.
الرد على المشبهة والمجسمة
وإلى نفيِ مذهب المشبهة أشار بقوله:
(ليس في معناه أحد من البرية)
حاشية
[1] المتشابه وكل وصف اتصفت به الذات العلية مما لا يدرك في العقل ولا يترك للنقل، معناه على ما أراد الله. قال الإمام البزدوي: (( إثبات اليد والوجه عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولن يجوز إبطال الأصول بالعجز عن درك الوصف ) ).
قال الإمام في وصيته: (( نقر بأن الله علىالعرش استوى، من غير يكون له حاجة إليه واستقرار عليه، وهو الحافظ للعرش وغير العرش، فلو كان محتاجًا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق، ولو كان محتاجًا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى؟!! فهو منزه عن ذلك علوًا كبيرًا ) ). قال الميداني: (( فانظر كيف أجراه على ظاهر التنزيل من غير تأويل مع التنزيه عما لا يليق بذات الجليل، وهذه طريقة السلف وهي أسلم، والتأويل طريقة الخلف وقد قيل إنها أحكم. وقد توسط ابن دقيق العيد فقال: نقبل التأويل إذا كان المعنى الذي أُوِّلَ به، قريبًا مفهومًا من تخاطُب العرب، ونتوقف فيه إذا كان بعيدًا. وجرى على التوسط الكمال بن الهمام بين أن تدعوا الحاجة لخلل في فهم العوام، وأنْ لا تدعوَ الحاجة لذلك المرام بحسب اختلاف المقام ) ).
[2] أي لعدم وجود هذا الدليل القطعي فيما بين أيدينا من النقول والآثار.
[3] هذا فرق مهم بين مذهب أهل الحق وغيره، فمذهب أهل الحق: (( التفويض لله سبحانه في المعنى المراد مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد منه طالما أن الديل القطعيَّ يأباه) ، ومذهب غيرهم: (( التفويض مع اعتقاد المعنى الظاهر ) )، وهو تناقض. قال الكمال بن الهمام في المسايرة: (( فإذا خيف على العامة عدم فهم الاستواء إلا بالاتصال ونحوه منلوازم الجسمية، فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء، فهو ممكن أن يراد، لكن لا يجزم بإرادته ) ).
[4] أي: لا يصح الإيمان بالرؤية إذا كان ذلك الإيمان بطريق تأوُّلِها، وكذلك لا يصح الإيمان بكل ما يرجع إلى الله علمه واستأثر به إذا تدخل العبد فيه بتأويل.
[5] التعطيل نوعان: الأول: تعطيل الذات عن صفاتها، أي: نفي الصفات عن الله تعالى وهو ما وقعت فيه المعتزلة. والنوع الآخر: تعطيل المصنوعات عن الصانع، وهؤلاء هم الدهرية الذين يقولون: (( ما هي إلا أرحامٌ تَدفع وأرض تَبلع وما يُهلِكُنا إلا الدهر ) ). وفي مقابَلَةِ المعطِّلةِ المشبهةُ والمجسمة الذين يُبالغون في وصف الله بما لم يصف به نفسهن، أو يحملون ما وصف الله به نفسه على ما يُشابِهُ صفات الحوادث مما لا يليقُ بذات الله تعالى.
[6] الدليل على أن العلةَ هي كونُ المَرئِيِّ موجودًا هو كما قال في (( شرح العقائد ) ): (( أننا نَقطَع برؤية الأعيان والأعراضِ ضرورةَ أننا نُفَرِّقُ بين جِسْمٍ وجِسْمٍ وعَرَضٍ وعَرَضٍ، ولا بد للحكم المشترك من علة مشتركة، وهي إما الوجود أو الحدوث أو الإمكان؛ إذ لا رابع يشترك بينها، والحدوث: (( عبارة عن الوجود بعد العدم ) )، والإمكان: (( عبارة عن عدم ضرورة الوجود والعدم ) )، ولا مدخل للعدم في العلة، فتعين الوجود، وهو مشترك بين الصانع وغيره، فيصح أن يُرى من حيث تحقق علة الصحة، وهي الوجود، ويتوقف امتناعها على ثبوت كون شيء من خواص الممكن شرطًا، أو من خواص الواجب مانعًا، وكذا يصح أن تُرى سائر الموجودات من الأصوات والطعوم والروائح وغير ذلك، وإنما لا تُرى بناءً على أن الله تعالى لم يخلُق في العبد رؤيتها بطريق جري العادة، لا بناءً على امتناع رؤيتها )) . اهـ.